
في عيد إستقلال الأردن ، تمثل الذكرى الثمانون ذاكرة وطن ولد وترعرع رغم كل المحن والشدائد، فالأردن الذي تمثل أرضه مهدا للحضارات يؤمن أن الإستقلال ليس مجرد حدث سياسي أو ذكرى تاريخية فحسب، بل قدرة وإرادة شعب على حماية مكتسباته وصون وحدة شعبه والحفاظ على تنوعه الفريد، وإستكمال مسيرة البناء والعطاء، رغم كل العواصف وما يثقل محيطه من أزمات.
لم يكن يوم الإستقلال الأردني في 25 أيار من عام 1946 مجرد لحظة عابرة، بل كانت لحظة تاريخية صنعتها أيدي الأردنيين وإصرارهم على الحرية والسيادة، بإصرار وعزيمة لا تلين، حيث تحولت الإرادة الوطنية الى مشروع وطن من بدايات التأسيس، وبقيت الرسالة الثقافية والإنسانية منذ ذلك اليوم للأردن ماثلة، فكانت عمان مقصداً للحوار والسلام والتنوع والإنفتاح.
لقد كان الأردن منذ إستقلاله أكثر من دولة صغيرة بدأت منذ أكثر من مئة عام مسيرتها لإثبات الذات والحضور في المشرق العربي، فكان ملاذا للمظلومين والمهجرين والملاحقين الأحرار من الإحتلالات المتتالية في المنطقة، حيكت ضده المؤامرات من الجوار ومن غيره، فكان وطنا عروبيا عزيز النفس منحازا لقضايا أمته وفي مقدمتها قضية فلسطين ، التي دفع ثمن مواقفه الثابتة تجاهها ولا زال يدفع، وإنحاز الى أمته في العراق وسوريا والخليج العربي، لكنه حافظ على سر إستقراره وبقائه، مرد ذلك، لإيمان أبنائه وبناته أن الأردن العظيم ليس مجرد جغرافيا أو مصالح ضيقة، بل هو حضارة ضاربة جذورها آلاف السنين، وأن الأزمات مهما إشتدت لا تنهي الأمل بالإستمرار والعمل الجاد من أجل المحافظة على المكتسبات والإنجازات.
صحيح أن الإمكانات محدودة والثروات شحيحة لكن ما يمتلكه الأردن قد لا يتوفر للكثيرين من شعوب هذه الأرض، فالأوطان لا تقاس بثرواتها أو بمساحاتها او بحدودها الجغرافية، بل تقاس بما تمنحه لأبنائها من كرامة وامل وحرية وإنتماء وحضارة وفرص، فالسيادة تحولت الى قانون والحرية أصبحت مؤسسات، والتعددية الى مصدر قوة ومنعة، لذلك يبقى الإستقلال مسؤولية يومية في قراراتنا وتصرفاتنا تبدأ من إحترام الدولة والمجتمع وحماية المؤسسات والأيمان بأن الوطن أكبر من كل الأزمات والمناكفات.
سيبقى الأردن كما أراده اباؤنا وأجدادنا الأوائل، وطنا حرا سيدا مستقلا، ففكرة الإستقلال أقوى وأبقى من أي فكر أو تحدٍ ماثل، لأنها الفكرة التي نشأ عليها هذا الوطن بلد يتسع للجميع وأوصلته الى ما نحن فيه، التعددية فيه مصدر ثراء وتميز، فجوهر الإستقلال أن يشعر الجميع أن الدولة قوية وفاعلة وتحمي رعاياها بكل ما أوتيت من قوة، ويسود القانون كمرجعية وحيدة للجميع، وتتقدم المصلحة الوطنية على كل الإعتبارات.
وفي كل عيد إستقلال يعود الأردنيون الى السؤال ذاته: كيف نحافظ على وطن تعب كثيرا لكي يبقى .
وكل عام والوطن والقائد والشعب بألف خير.
الرأي



