"\n"
مقالات

سردية الحوكمة الحضارية

رلى السماعين

في وقتٍ يتعرّض فيه مفهوم “الدولة الوطنية” لضغوط متزايدة نتيجة تصاعد الهويات المتنافسة وتعميق الانقسامات، يقدّم الأردن نموذجًا يستحق التأمل الدقيق كونه يمثل إطار سياسي وفكري متكامل، يقوم على مبدأ واضح وهو المواطنة أولًا، والإنسان قبل أي تصنيف.

إن هذه الفلسفة ليست وليدة اللحظة أو ردّ فعل طارئ، بل تمتد جذورها في المسار التاريخي للحكم الهاشمي منذ انطلاق الثورة العربية الكبرى، حين لم تكن الدولة الناشئة مجرد كيان سياسي في طور التشكّل، بل مشروعًا حضاريًا يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين مكوّنات المجتمع المتنوعة؛ فلسفة تجاوزت بوعي ثنائية الأكثرية والأقلية نحو فهم أكثر شمولًا للانتماء.

وليس من قبيل المصادفة، أن يرتكز الحكم الهاشمي باستمرار على مبدأ راسخ قوامه العدالة والمساواة بين جميع المواطنين، بغضّ النظر عن الدين أو العِرق أو الخلفية. والأهم أن هذا المبدأ لم يبقَ في حدود الخطاب، بل تجسّد في بنية الدولة وانعكس في تركيبة قياداتها المبكرة، حيث شكّلت التعددية الدينية والثقافية جزءًا أصيلًا من الهوية السياسية للأردن، لا عنصرًا هامشيًا فيها.

غير أن ما يميّز التجربة الأردنية لا يقتصر على هذا الالتزام بالمواطنة، بل يتجلّى أيضًا في تحويله إلى سردية متكاملة تخاطب الداخل والخارج على حد سواء. فعلى المستوى الداخلي، لم تُعامل التنوع باعتباره تحديًا ينبغي احتواؤه، بل كقيمة تعزّز التماسك المجتمعي. أما خارجيًا، فقد تطوّرت إلى شكل من أشكال القوة الناعمة، عزّز مكانة الأردن كنموذج للاستقرار والاعتدال في منطقة مضطربة.

وتجد هذه السردية أحد أوضح تجلياتها في انخراط الأردن المستمر في الحوار بين الأديان، ليس فقط كمبادرة ثقافية أو دينية ، بل كخيار استراتيجي يرتبط بمكانته الإقليمية والدولية.

ففي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من أحداث، لم يكتفِ الأردن بردود الفعل التقليدية، بل سعى إلى إعادة تشكيل التصورات العالمية عن الإسلام من خلال مبادرات مؤسسية وفكرية، كان أبرزها رسالة عمّان، وكلمة سواء، وأسبوع الوئام العالمي بين الأديان، التي شكّلت مجتمعة نقطة تحوّل في الخطاب الديني والسياسي.

هذه المبادرات لم تكن في يوم ما مجرد مجرد أطروحات نظرية، بل محاولة واعية لإعادة ضبط المشهد الفكري في لحظة طغت فيها سرديات التطرّف على أصوات الاعتدال. غير أن التحدي الحقيقي لم يكن يومًا في صياغة الأفكار، بل في تحويلها إلى واقع يُعاش، وهو ما يعكس معضلة أوسع تواجه جهود الإصلاح في المنطقة وهي الفجوة المستمرة بين النص والتطبيق. فحتى أكثر الأفكار تطورًا تظل محدودة الأثر إن لم تتحول إلى سلوك يومي وثقافة جمعية.

وقد أدركت الدولة الأردنية هذا التحدي مبكرًا، فسعت إلى توسيع دائرة الحوار خارج الأطر النخبوية والمؤتمرات، ليصل إلى المجتمع عبر التعليم والتدريب والتفاعل المباشر مع الشباب. ومع ذلك، يبقى السؤال: هل تكفي هذه الجهود في بيئة إقليمية لا تزال تعيد إنتاج التطرّف بأشكال جديدة ومتغيرة؟

الإجابة ليست بسيطة، لكنها تقود إلى حقيقة أعمق، مفادها أن قوة النموذج الأردني لا تكمن في غياب التحديات، بل في قدرته على التعامل معها دون أن يفقد بوصلته الاستراتيجية. ففي وقت جرى فيه توظيف الطائفية في العديد من مناطق الإقليم، حافظ الأردن على مفهوم “العيش المشترك”، متجاوزًا حدود التعايش إلى شراكة حقيقية في بناء الدولة.

وهذه الشراكة ليست رمزية، بل تتجلى في الأدوار الجوهرية التي لعبها المسيحيون العرب في تشكيل الدولة والمجتمع، منذ زمن الثورة العربية الكبرى وحتى اليوم، عبر السياسة والثقافة والإعلام والفكر. وهي تعبّر عن فهم متقدم للهوية الوطنية باعتبارها إطارًا جامعًا، لا ساحة صراع بين هويات فرعية متنافسة.

ومع ذلك، فإن استدامة هذا النموذج لا تتحقق بمجرد استحضار جذوره التاريخية، بل تتطلب تجددًا مستمرًا ووعيًا بأن التحديات المعاصرة لم تعد سياسية أو أمنية فقط، بل باتت معرفية وثقافية، تؤثر في تشكيل التصورات والسرديات والهويات، خصوصًا في عصر تهيمن عليه العالم الرقمي الافتراضي.

ويبرز دور الإعلام كعامل حاسم؛ فكما يمكن أن يعمّق الانقسامات، يستطيع أيضًا أن يكون منصة فاعلة لترسيخ سردية الأردن القائمة على الاعتدال والتعددية، وهو ما يفرض الحاجة إلى صحافة مهنية وموثوقة، قادرة على تحويل هذه القيم إلى قصص إنسانية مؤثرة تصل إلى الجمهور محليًا وعالميًا.

لا يمكن فهم التجربة الأردنية بمعزل عن سياقها الإقليمي، لكنها تقدّم درسًا مهمًا مفاده أن الدولة التي تنجح في بناء سردية متماسكة، قائمة على قيم واضحة وممارسة متسقة، قادرة على الحفاظ على تماسكها حتى في ظل اضطرابات عميقة.

أما السؤال الملح اليوم، فلم يعد ما إذا كان هذا النموذج ناجحًا، بل كيف يمكن تطويره وتعزيزه وتوسيع نطاقه خارج الحدود الوطنية، في لحظة دولية تتسم بتصاعد التوترات وتضارب السرديات، وتبرز فيها الحاجة الملحّة إلى نماذج واقعية وموثوقة للعيش المشترك. ففي مثل هذا المناخ، لا تبحث المنطقة، بل العالم بأسره، عن الاستقرار فحسب، بل عن رؤية مبدئية وقابلة للتطبيق للتعايش و للعيش المشترك ، تتجاوز الخطاب إلى الفعل.

* كاتبة مختصة بالحوارات والسِلم المجتمعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى