ميناء الغاز المسال في العقبة: ركيزة أمن الطاقة الأردني وبوابة إقليمية واعدة
م. عبدالفتاح الدرادكة

يُعد ميناء الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح للغاز الطبيعي المسال في مدينة العقبة واحداً من أهم المشاريع الاستراتيجية التي أنجزها الأردن خلال العقد الأخير، ليس فقط لما يمثله من قيمة اقتصادية مباشرة، وإنما لما أسهم به في تعزيز أمن الطاقة الوطني وترسيخ مكانة المملكة كمحور إقليمي مهم في قطاع الطاقة. وقد جاء إنشاء هذا المشروع الحيوي استجابة لحاجة وطنية ملحة، في ظل التحديات الكبيرة التي واجهها قطاع الطاقة الأردني خلال السنوات التي سبقت تشغيله.
ففي الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2015، واجه الأردن أزمة طاقة حقيقية بعد انقطاع إمدادات الغاز الطبيعي التقليدي، ما اضطره إلى الاعتماد على الوقود الثقيل والديزل لتوليد الكهرباء، وهما من أغلى مصادر الطاقة التقليدية من حيث التكلفة التشغيلية. وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على الوضع المالي لشركة الكهرباء الوطنية، التي تكبدت خلال تلك السنوات خسائر تراكمية قاربت خمسة مليارات دينار أردني، وهو رقم كبير شكل عبئاً واضحاً على الاقتصاد الوطني.
من هنا جاءت أهمية إنشاء ميناء الغاز الطبيعي المسال في العقبة، الذي تم تشغيله رسمياً في شهر تموز من عام 2015 على حساب المنحة الخليجية انذال وبتمويل كريم من دولة الكويت الشقيقة، في تجسيد واضح للعلاقات الأخوية والتعاون العربي المشترك. وقد شكّل الميناء نقطة تحول استراتيجية في قطاع الطاقة الأردني، إذ أتاح للمملكة استقبال الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية، وتخزينه ثم إعادة تحويله إلى حالته الغازية وضخه في خط الغاز العربي لاستخدامه في محطات توليد الكهرباء.
ولم تكن نتائج تشغيل الميناء مجرد توقعات نظرية، بل ظهرت سريعاً على أرض الواقع. ففي النصف الثاني من عام 2015، أظهرت النتائج المالية لأداء الميناء أن استخدام الغاز الطبيعي المسال بدلاً من الوقود التقليدي وفر على شركة الكهرباء الوطنية نحو 300 مليون دينار خلال الأشهر السته التي اعقبت افتتاحه . وفي عام 2016، تحولت شركة الكهرباء الوطنية من دائرة الخسائر المزمنة إلى تحقيق أرباح صافية بلغت نحو 32 مليون دينار، مقارنة بخسائر سنوية كانت تقارب مليار دينار في السنوات السابقة. كما استمرت هذه النتائج الإيجابية حتى عام 2020، حيث لم تُسجل خسائر تُذكر، ما يؤكد الأثر العميق لهذا المشروع على الاقتصاد الوطني.
ولم تقتصر فوائد الميناء على الداخل الأردني فقط، بل امتدت لتشمل البعد الإقليمي أيضاً. فقد استفادت جمهورية مصر العربية خلال الأعوام من 2015 وحتى 2020 من السعات الفائضة في الميناء، عبر استخدام الباخرة المستأجرة “إسكيمو” لتوريد الغاز الطبيعي، الأمر الذي وفر للأردن عوائد مالية إضافية من خلال رسوم المناولة، والتنزيل، والتحميل، والقطر، والاصطفاف، إلى جانب تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين الشقيقين.
ومع مرور الوقت، ازدادت أهمية هذا المرفق الحيوي بشكل متسارع. فإلى جانب دوره الأساسي في تخفيض كلفة إنتاج الكهرباء، ساهم الميناء في تشجيع عدد من الصناعات الأردنية على التحول نحو استخدام الغاز الطبيعي باعتباره طاقة نظيفة وأكثر كفاءة وأقل أثراً على البيئة، وهو ما يتماشى مع التوجهات العالمية نحو الطاقة المستدامة وخفض الانبعاثات الكربونية.
كما برزت الأهمية الإقليمية للميناء بصورة أوضح خلال السنوات الأخيرة، من خلال دوره في دعم الأشقاء في سوريا ولبنان. فقد ساهم الميناء في استقبال شحنات الغاز، بما فيها المنح القطرية، وإعادة توجيهها لخدمة احتياجات المنطقة، إلى جانب دوره في تفعيل مشروع نقل الغاز عبر خط الغاز العربي ضمن إطار التعاون الثلاثي بين الأردن وسوريا ولبنان، بهدف دعم قطاع الطاقة في تلك الدول وتخفيف أزماتها الكهربائية.
ويأتي ذلك منسجماً مع الرؤية الاستراتيجية لجلالة الملك عبد الله الثاني، التي طالما أكدت أهمية أن يكون الأردن مركزاً إقليمياً للطاقة ومنطلقاً للتكامل الاقتصادي في المنطقة. فالمملكة، بفضل موقعها الجغرافي واستقرارها السياسي وبنيتها التحتية المتطورة، تمتلك المقومات اللازمة لتكون منصة إقليمية لتبادل الطاقة وربط الأسواق المجاورة.
وفي هذا السياق، تشهد الفترة الحالية (2025-2026) خطوات تطويرية جديدة للميناء، من أبرزها مشروع إنشاء وحدة تغييز شاطئية جديدة يتم من خلالها تحويل الغاز من الحالة السائلة الى الغازية وتملك باخرة بقدرة تخزين كبيرة للغاز السائل لرفع القدرة التشغيلية وتعزيز جاهزية الميناء لمواكبة الطلب المتزايد محلياً وإقليمياً، وهو ما يعكس الثقة المتزايدة بهذا المشروع وأهميته المستقبلية.
ختاماً، يمكن القول إن ميناء الشيخ صباح الأحمد الجابر في العقبة لم يعد مجرد منشأة لاستيراد الغاز الطبيعي، بل أصبح رمزاً للنجاح الأردني في تحويل الأزمات إلى فرص، ونموذجاً في التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى. إنه مشروع وطني بامتياز، أسهم في حماية الاقتصاد، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم الأشقاء، وترسيخ مكانة الأردن كلاعب محوري في خريطة الطاقة الإقليمية.
والله من وراء القصد



