
الرسالة أننا اليوم نقف أمام مشهد تختصر فيه الإنسانية أبلغ معاني الوفاء، وتتحول فيه ذكرى الشهداء إلى حياة تمنح للآخرين في رسالة وطنية وإنسانية تحمل معنى عميقا، بأن الأردن حين يستذكر الشهداء، فإنه يستحضر قيمهم، وحين يخلد ذكراهم، فإنه يجعل من الوفاء لهم عملا يصل إلى الإنسان المحتاج، حتى وإن كان على مسافة مئات الكيلومترات.
الحملة الأردنية، بالشراكة مع الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية، وزعت آلاف الوجبات من الأرز واللحم والدجاج في شمال القطاع وجنوبه، ووصلت إلى مخيمات النزوح والتجمعات السكانية الأكثر احتياجا، بما فيها مناطق جباليا والفالوجا والصافي، القريبة من الخط الأصفر، حيث تعيش العائلات الفلسطينية ظروفاً إنسانية بالغة القسوة.
ولعل أجمل ما في هذا المشهد أن الوفاء لشهداء الكرك التقى مع وفاء أهل غزة للأردن، حين عبّروا عن تضامنهم ووقوفهم إلى جانب المملكة واعتزازهم بمواقفها، في صورة تختصر علاقة لا تصنعها الظروف الطارئة، ولا تضعفها المسافات، بل تجذرها الأخوة والتاريخ والمواقف المشتركة.
ولم تكن هذه المبادرة إلا امتدادا لمواقف أردنية إنسانية لم تنقطع منذ بدء العدوان على غزة، إذ ظل الأردن حاضرا في ميادين الإغاثة، عبر تسيير القوافل والمساعدات الغذائية والطبية، وتنفيذ الإنزالات الجوية لإيصال الاحتياجات إلى المناطق المحاصرة، إلى جانب استقبال الجرحى والمرضى للعلاج.
خلاصة القول، في غزة، لم تكن الوجبات التي وصلت عن أرواح شهداء الكرك مجرد مساعدات غذائية، بل كانت رسالة وفاء أردنية عابرة للحدود، تقول إن الشهداء باقون في ضمير الوطن، وإن خيرهم يمتد حتى بعد رحيلهم، وإن الأردن الذي يكرم الشهداء لا يكتفي بحفظ أسمائهم في الذاكرة، بل يجعل من ذكراهم خبزا يصل إلى الجائعين، وأملا يسند المتعبين، فطوبى لشهداء بقي عطاؤهم حاضرا، حتى بعد أن غابوا.



