"\n"
مقالات

السياحة البيئية معياراً اقتصادياً

رلى السماعين

أصبح العالم اليوم أكثر قرباً من أي وقت مضى، وأصبح السفر جزءاً من حياتنا من خلاله نتعرف إلى ثقافات مختلفة، ونوسع معرفتنا بالعالم وبالناس. لكن مع هذا الإقبال المتزايد على السفر، والرغبة في اشباع افضول هناك مسؤولية تتبعها وهي بأن نستمتع ونتعرف على كل جديد وجميل دون أن يكون وجودنا عبئاً على المكان الذي نزوره.

السياحة البيئية، EcoTourism تقوم على السفر بوعي ومسؤولية؛ في أساسها أن نحاول تقليل بصمتنا البيئية، ونحترم الطبيعة والنظم البيئية، وندعم المجتمعات المحلية ونساهم في اقتصادها.

فالسياحة البيئية لا تتوقف عند زيارة غابة أو محمية، ولا أن نضيف كلمة «Eco» إلى اسم مشروع سياحي. هي نموذج متكامل يستمتع فيها الزائر بالطبيعة، وتستفيد المجتمعات المحيطة بها اقتصادياً، وفي الوقت نفسه لا يصبح النشاط السياحي سبباً في استنزاف المورد الذي جاء السائح من أجله.

ويؤكد مفهوم السياحة البيئية عنصرين مهمين وهما خفض الأثر البيئي للرحلة، ودعم الاقتصاد المحلي بصورة مباشرة؛ أي أن طريقة التنقل والطعام والاستهلاك والخدمات التي يختارها السائح تصبح جزءاً من التجربة البيئية نفسها. لذا الحاجة الان الى الانتقال من إدارة المواقع الطبيعية إلى بناء اقتصاد حولها.

لدينا الكثير من نعم الله: الصحراء والغابات والأودية والمحميات والقرى الزراعية والمسارات، لكن الموقع الجميل وحده ليس منتجاً اقتصادياً.

وضع خطة سهلة التطبيق لتحويل الطبيعة إلى تجارب منخفضة الأثر وعالية القيمة أمر ليس فيه صعوبة إنما بحاجة إلى قرار. فالدليل المحلي، والمزرعة، والطعام الريفي، والحرف، ومراقبة الطيور، والمسارات، والإقامة الصغيرة تستطيع أن تكون أجزاء من سلسلة اقتصادية واحدة.

والاهم هو بقاء الإنفاق داخل المجتمع المحلي الذي يعتبر مؤشرا للنجاح السياحي. فعندما يعمل الشاب دليلاً سياحياً في منطقته، وتبيع السيدة منتجاتها للزائر، ويستقبل المزارع مجموعة سياحية داخل مزرعته، تصبح حماية الموقع مصلحة اقتصادية للمجتمع نفسه.

ما نحتاجه هو نموذج استثماري يناسب طبيعة هذا القطاع. السياحة البيئية لا تحتاج دائماً إلى مشروع بملايين الدنانير. انما قد تحتاج إلى تمويل صغير لمزرعة سياحية، أو دراجات، أو مشروع نقل منخفض الانبعاثات، أو دليل متخصص، أو مطبخ ريفي، أو تجربة فلكية.

علينا أن نبني بثقة على المخزون الطبيعي عندنا والمهم أن لا نبالغ في استخدام اللغة البيئية في التسويق من دون أن تقابلها ممارسات حقيقية. وهنا يمكن للأردن أن يذهب أبعد، عبر وضع معايير بسيطة وقابلة للقياس لأي مشروع يحمل صفة «Eco» استهلاك المياه والطاقة، إدارة النفايات، نوع وسائل النقل، المشتريات المحلية، نسبة العمالة من المجتمع، والأثر على الموقع الطبيعي بمعنى أن تصبح كلمة Eco معياراً، لا شعاراً.

يمكن ربط مسار طبيعي قائم بقرية صغيرة في محافظة عجلون، الخلابة بطبيعتها وأهلها، بحيث يحجز الزائر التجربة كاملة من نقطة واحدة. يكون الدليل من أبناء المنطقة، وتبدأ الزيارة بمسار للمشي، مع استخدام وسائل نقل محلية منخفضة الانبعاثات أو الدراجات في الأجزاء المناسبة، ثم وجبة تُعدّها عائلة محلية، وتجربة زراعية أو حرفية، وإقامة لمدة يومين تمنح الزائر فرصة لراحة العقل والجسد والعيش بالقرب من المجتمع المحلي، من دون الحاجة إلى بناء فندق جديد أو استحداث موقع سياحي جديد. الفكرة ببساطة هي أن نبني على ما هو موجود ونربطه معاً ليصبح منتجاً سياحياً واحداً متكاملاً، ثم بعد نجاح التجربة وقياس أثرها، ننتقل إلى تطبيق نموذج مشابه في منطقة أخرى.

وهكذا لا تبقى السياحة البيئية مجرد ملف بيئي، بل تصبح، وهو الأهم، سياسة للاستثمار والتنمية المحلية، ومنتجاً سياحياً أردنياً واضحاً وقابلاً للتوسع. نبني على ما عندنا ونمتد. حمى الله الوطن.

* كاتبة متخصصة في الحوارات والسلم المجتمعي، مؤسس أنوفيا الإعلامية السياحية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى