
وتكشف بيانات التجارة الخارجية أهمية هذا التحول؛ فقد ارتفعت الصادرات الكلية بنسبة ١٠.٣٪ خلال الأشهر السبعة الأولى من عام ٢٠٢٦، مقابل نمو الصادرات الوطنية بنسبة ٤.٦٪، فيما بلغت قيمة العجز التجاري نحو ٥٫١٩ مليار دينار. وتشير هذه الأرقام إلى أن زيادة حركة التجارة لا تعني بالضرورة توسع الإنتاج المحلي بالوتيرة نفسها، وأن الاقتصاد بحاجة إلى تعظيم القيمة المضافة المتحققة داخل المملكة. فالموقع الجغرافي للأردن بين أسواق الخليج والعراق وسوريا وميناء العقبة يمنحه فرصة لتطوير صناعات وخدمات مرتبطة بالتخزين والتجميع والتصنيع والتوزيع، بما يحول حركة التجارة إلى مصدر أوسع للدخل والتشغيل، ويحد من الاعتماد على نشاط العبور وحده.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تطوير مؤشر وطني للتعرض للصدمات الاقتصادية، يقيس درجة اعتماد القطاعات الإنتاجية على أسواق تصديرية محددة ومصادر استيراد ومسارات نقل قد تتعرض للاضطراب. ويمكن البدء بخمسة قطاعات حيوية، تشمل الصناعات الغذائية والدوائية والكيماوية والزراعة والخدمات اللوجستية، من خلال تحديد قيمة الإنتاج والصادرات والوظائف المعرضة للمخاطر، والمدة اللازمة لاستعادة النشاط عند تعطل أحد المسارات أو مصادر التوريد. وستتيح هذه البيانات للحكومة والقطاع الخاص تحديد مواطن الهشاشة الاقتصادية بصورة استباقية، وتوجيه التدخلات نحو القطاعات الأكثر تعرضاً للصدمات والأعلى تأثيراً في الاقتصاد الوطني، بدلاً من انتظار ظهور الخسائر لمعالجتها.
وبالتوازي، فإن تعزيز المرونة الاقتصادية يتطلب إعداد خريطة وطنية للاختناقات التي ترفع كلف الإنتاج والتصدير، خصوصاً في الطاقة والمياه والنقل والإجراءات اللوجستية. ولا تكمن أهمية هذه الخريطة في حصر التحديات المعروفة، بل في ترتيب معالجتها وفق العائد الاقتصادي المتوقع من كل تدخل. فالمشروع الذي يخفض كلفة إنتاج سلعة تصديرية أو يقلص زمن وصولها إلى الأسواق قد يحقق أثراً اقتصادياً يتجاوز قيمته الاستثمارية المباشرة. ويمكن اعتماد مؤشرات واضحة، مثل انخفاض كلفة النقل لكل طن، وتقليص زمن التخليص والشحن، وتحسن كفاءة استخدام الطاقة والمياه، وربط تقييم المشاريع الحكومية بقدرتها على رفع تنافسية المنشآت وزيادة الصادرات والوظائف.
وتكتمل هذه المقاربة بتطوير اختبارات ضغط اقتصادية دورية للقطاعات الحيوية، تحاكي سيناريوهات ارتفاع كلف الشحن أو تعطل سلاسل الإمداد أو تراجع الطلب في سوق تصديرية رئيسية. والهدف ليس توقع الأزمات بدقة، وإنما اختبار جاهزية الاقتصاد للتعامل معها، وتحديد البدائل المتاحة قبل الحاجة إليها. ويمكن تنفيذ هذه الاختبارات بالتعاون بين الوزارات الاقتصادية والجهات الإحصائية والقطاع الخاص، دون الحاجة بالضرورة إلى إنشاء مؤسسات جديدة، على أن تترجم نتائجها إلى خطط قابلة للتنفيذ ومراجعة سنوية تقيس مدى انخفاض المخاطر. فكل مصنع يحافظ على إنتاجه خلال اضطراب تجاري، وكل سوق بديلة تستوعب صادرات أردنية، يمثلان مكسباً اقتصادياً مباشراً.
إن استقرار التصنيف الائتماني يمثل قاعدة مهمة للبناء عليها، لكنه لا ينبغي أن يكون الغاية النهائية للسياسة الاقتصادية. فالانتقال من إدارة الأزمات إلى استباق مخاطرها يتطلب تحويل الاستقرار المالي والنقدي إلى قدرة إنتاجية وتنافسية أعلى، وإلى منظومة مؤسسية تقيس مصادر الهشاشة وتعمل على تقليصها. ويمكن أن يشكل تطوير مؤشر التعرض للصدمات وخريطة الاختناقات واختبارات الضغط الاقتصادية مبادرة عملية ضمن مسار التحديث الاقتصادي، تقاس نتائجها بانخفاض كلف الإنتاج، وتنوع الأسواق، واستمرارية النشاط الاقتصادي، وزيادة فرص العمل. وعندها تصبح القيمة الحقيقية للتصنيف الائتماني في قدرة الأردن على حماية مكتسباته الاقتصادية، وتقليل كلفة الأزمات على الدولة والقطاع الخاص والمواطن، ومواصلة النمو بثقة واستدامة.
الرأي



