اقتصاديون: الاقتصاد الوطني يمتلك مفاتيح كثيرة مكنته من التغلب على الأزمات

أردني – أثبتت السنوات الأخيرة أن الاقتصاد الوطني يمتلك مفاتيح كثيرة مكنته من الصمود في وجه عواصف المنطقة والتقلبات الاقتصادية بالعالم، تكمن بتنوع القاعدة الإنتاجية، وحسن إدارة السياسات المالية والنقدية، والقدرة على التعامل مع الأزمات دون تعطيل النشاط الاقتصادي.
وأكد اقتصاديون أن قدرة الاقتصاد الوطني على مواصلة النمو والحفاظ على الاستقرار رغم الاضطرابات الإقليمية والصدمات ليست وليدة الصدفة، بل بفعل تراكم سياسات اقتصادية ونقدية ومالية متوازنة وإصلاحات مؤسسية متواصلة.
وبينوا أن تنوع مصادر الدخل يشكل أحد عناصر القوة الرئيسة للاقتصاد الوطني، حيث تعتمد المملكة على مجموعة واسعة من الموارد الاقتصادية منها الصادرات الوطنية، وحوالات العاملين الأردنيين في الخارج، والدخل السياحي، والخدمات والقوى البشرية، وغيرها.
وشددوا على أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مرحلة الصمود إلى مرحلة النمو الأعلى والأكثر توليداً لفرص العمل، من خلال رفع وزيادة الإنتاجية، وتعزيز وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي وتوسيع قاعدة الصادرات، وتنفيذ مشروعات رؤية التحديث الاقتصادي.
وأكد رئيس جمعية مستثمري شرق عمان الصناعية الدكتور إياد أبو حلتم أن الاقتصاد الوطني أثبت خلال السنوات الماضية أنه اقتصاد قادر على الصمود ومواجهة الصدمات، مشيرا إلى أن الأداء الاقتصادي حافظ على استقراره رغم سلسلة من الأزمات العالمية والإقليمية المتعاقبة التي شهدها العالم والمنطقة.
وقال إن مراجعة الأداء التاريخي للاقتصاد الوطني بالسنوات الأخيرة تظهر بوضوح قدرته على المحافظة على معدلات نمو إيجابية، ولم تنخفض لمستويات حادة رغم الظروف الاستثنائية بما في ذلك جائحة كورونا، وأزمة سلاسل التزويد العالمية، والحرب الروسية الأوكرانية، والعدوان على غزة، إلى جانب الاضطرابات التي شهدها الاقتصاد العالمي والتوترات الجيوسياسية الأخيرة وإغلاقات مضيق هرمز.
وأوضح أن الاستقرار الذي يتمتع به الأردن يعد أحد أهم العوامل الداعمة للاقتصاد الوطني، لافتا إلى أن المملكة تتمتع بحضور سياسي مؤثر واحترام دولي واسع للقيادة الهاشمية الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الوطني ويعزز ثقة المجتمع الدولي بالبلاد.
وأشار إلى أن هذا الحضور السياسي للمملكة أسهم بتعزيز الدعم الدولي المقدم للأردن من المؤسسات الدولية والدول الصديقة، سواء من خلال برامج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أو عبر المنح والمساعدات وبرامج الدعم.
وبين أن السياسات الاقتصادية الحصيفة التي انتهجتها المملكة خلال العقود الماضية شكلت ركيزة أساسية في تعزيز الاستقرار الاقتصادي، وبمقدمتها تثبيت سعر صرف الدينار، إلى جانب برامج الإصلاح الاقتصادي التي تم تنفيذها.
وأكد أن هذه السياسات أسهمت بترسيخ سياسة نقدية ناجحة يقودها البنك المركزي الأردني، وساعدت على استقطاب الاستثمارات والحفاظ عليها، وتعزيز جاذبية بيئة الأعمال، وحماية الاقتصاد من التقلبات والأزمات المختلفة على مدى أكثر من ثلاثة عقود، فضلا عن تعزيز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب بالاقتصاد الوطني.
وبين أن احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية تجاوزت 27 مليار دولار، وهو مستوى تاريخي وغير مسبوق يعكس قوة المركز المالي للمملكة، كما يعزز قدرة الأردن على توفير احتياجاته من السلع الأساسية لفترات طويلة، حيث تمتلك المملكة مخزونا آمنا من بعض السلع يكفي لأكثر من عشرة أشهر، وهي مستويات تفوق المعايير العالمية المتعارف عليها.
وأشار إلى أن السياسات المالية المتعلقة بضبط الإنفاق العام وإدارة الدين العام والعمل على خفض عجز الموازنة اسهمت كذلك في تعزيز الاستقرار المالي، موضحا أنه رغم استمرار بعض التحديات المتعلقة بالعجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات، إلا أن المؤشرات تظهر تحسنا تدريجيا بالحد من هذه الاختلالات.
ولفت إلى أن النمو المتواصل في الصادرات الأردنية أسهم بتخفيض العجز التجاري ورفع نسبة تغطية الصادرات للمستوردات بنسب تتراوح بين 53 و55 بالمئة ما يعكس تحسن القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني وزيادة حضور المنتجات الأردنية في الأسواق الخارجية.
وأوضح أن تنوع مصادر الدخل يشكل أحد عناصر القوة الرئيسة في الاقتصاد الأردني، حيث تعتمد المملكة على مجموعة واسعة من الموارد الاقتصادية تشمل الصادرات الوطنية، وحوالات العاملين الأردنيين في الخارج وقطاع السياحة الذي يسهم بأكثر من 10 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وبين أن القطاع السياحي يمتلك إمكانات كبيرة للنمو بمجرد تراجع التوترات الإقليمية، إلى جانب قطاعات الخدمات وتكنولوجيا المعلومات والطاقة المتجددة، التي أصبحت تشكل روافد مهمة للاقتصاد الوطني.
وأشار إلى أن المنتجات الأردنية تصل اليوم إلى أكثر من 150 دولة حول العالم، مدعومة بقاعدة صناعية متنوعة تشمل الصناعات الدوائية والأسمدة والصناعات الكيماوية والغذائية والهندسية والمعدنية، وهي قطاعات تسهم بتعزيز التنوع الاقتصادي وزيادة القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
وشدد على أن الموارد البشرية الأردنية تمثل أحد أهم عناصر القوة في المملكة، حيث يتمتع الأردن بمستويات تعليم مرتفعة وقاعدة واسعة من الكفاءات والخبرات، كما يعد من الدول التي تضم نسبا مرتفعة من المهندسين مقارنة بعدد السكان، الأمر الذي يعكس امتلاك المملكة لرأسمال بشري مؤهل وقادر على دعم الإنتاجية والابتكار والنمو الاقتصادي.
وأكد أبو حلتم ان هذه المعطيات أسهمت بتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الصدمات والاضطرابات، معربا عن أمله في أن تنجح المملكة خلال السنوات المقبلة في تجاوز حاجز النمو البالغ 5 بالمئة وفقا لمستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي.
من جانبه، قال مدير عام جمعية البنوك في الأردن الدكتور ماهر المحروق إن وجود قطاع مصرفي قوي شكل على الدوام أحد أهم ركائز الاستقرار الاقتصادي والمالي في المملكة، موضحا ان الاقتصاد الوطني وبالرغم من التحديات والصعوبات التي تواجه المنطقة وتداعيات جائحة كورونا واضطراب سلاسل التوريد وارتفاع معدلات التضخم عالميا، لم يشهد أي اختلالات مالية أو نقدية كبيرة، واستمر في تحقيق معدلات نمو إيجابية والحفاظ على استقرار الأسعار وسعر صرف الدينار.
وأرجع ذلك للعديد من العوامل الداعمة ومنها السياسة النقدية الحكيمة التي ينتهجها البنك المركزي التي نجحت في المحافظة على الاستقرار النقدي وتعزيز الثقة بالدينار والمحافظة على مستويات مريحة من الاحتياطيات الأجنبية، ما وفر غطاءً قويا للاقتصاد في مواجهة التقلبات الخارجية، ورسخ الثقة لدى المستثمرين والمؤسسات الدولية.
وبين أن القطاع المصرفي أثبت بأنه يشكل خط الدفاع الأول عن الاستقرار الاقتصادي، حيث بلغت نسبة كفاية رأس المال في البنوك المرخصة 17.8 بالمئة مع نهاية العام الماضي، وهي أعلى بكثير من الحد الأدنى المطلوب رقابيا.
وأشار إلى استقرار نسبة القروض غير العاملة عند 5.5 بالمئة مع استمرار ارتفاع مستويات المخصصات والسيولة، ما يعكس متانة الجهاز المصرفي وقدرته على مواصلة تمويل مختلف القطاعات الاقتصادية حتى في أصعب الظروف، دون أن تتأثر سلامته المالية.
وأوضح أن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها الحكومة ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، وفي إطار برامج التعاون مع صندوق النقد الدولي، أسهمت بتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني، مبينا أن الصندوق في مراجعته الأخيرة أشار إلى أن الأردن يواصل تنفيذ برنامجه الإصلاحي بنجاح، وأن العجز الأولي في عام 2025 جاء أفضل من المستهدف، مع استمرار العمل على خفض الدين العام ليصل لنحو 80 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2028.
وبين أن الاقتصاد الوطني أصبح أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات من خلال تنويع مصادر النمو، والتوسع في الاقتصاد الرقمي، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، علاوة على الاستثمار في قطاعات ذات قيمة مضافة مثل تكنولوجيا المعلومات، والخدمات والطاقة المتجددة، والصناعات التصديرية.
وأكد المحروق أن المحافظة على الأداء الإيجابي للاقتصاد الوطني يتطلب مواصلة الإصلاحات وتحفيز الاستثمار وزيادة الإنتاجية وتسريع تنفيذ مشروعات رؤية التحديث الاقتصادي، مبينا أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال لتحقيق معدلات نمو أعلى وأكثر شمولا لتوفير فرص العمل ورفع مستوى المعيشة وتعزيز القدرة التنافسية لاقتصاد المملكة.
من جهته، أكد المختص بالشأن الاقتصادي الدكتور أحمد المجالي، أن الاقتصاد الوطني لم يتعامل مع الصدمات الخارجية بوصفها أحداثاً عابرة فقط، بل طوّر مع الوقت قدرة مؤسسية واقتصادية على التكيف معها وامتصاص آثارها.
وبين أن الاقتصاد الوطني ورغم صغر حجمه وتأثره بتقلبات أسعار الطاقة وحركة التجارة وكلف الشحن والسياحة ومجمل التطورات الجيوسياسية في الإقليم، الا انه واصل الصمود والنمو وتجاوز التحديات.
وأوضح أن النمو لم يعد مرتبطاً بقطاع واحد، بل أصبح أكثر اتساعاً بين مختلف الأنشطة الاقتصادية، حيث نمت غالبيتها بالربع الأول من العام الحالي، ما يعكس أن الاقتصاد يتحرك على قاعدة أوسع.
وقال “برزت قطاعات الزراعة، والصناعة التحويلية، والتعدين، والكهرباء كمحركات مهمة لهذا النمو، الأمر الذي يعزز قدرة الاقتصاد على الصمود عندما يتعرض أحد القطاعات لضغوط أو تباطؤ”.
وأضاف إن للقطاعات الإنتاجية، لاسيما الصناعة والزراعة، دوراً محورياً في تفسير هذا الأداء، فالصناعة ليست مجرد قطاع ينتج سلعاً، بل هي قطاع يرتبط بالتصدير، والتشغيل، وسلاسل القيمة، وخلق الطلب على قطاعات أخرى”.
وتابع “الزراعة من جانبها أظهرت قدرة واضحة على المساهمة في النمو، ما يعطي مؤشراً على أهمية القطاعات الحقيقية في دعم الاقتصاد، بدلاً من الاعتماد فقط على القطاعات الخدمية أو الاستهلاكية”.
وزاد “لا يمكن إغفال دور السياسات الاقتصادية والاستباقية في تخفيف أثر الصدمات، حيث أسهمت الإجراءات الحكومية في دعم النشاط الاقتصادي، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز السيولة لدى القطاع الخاص، والمحافظة على استمرارية سلاسل التوريد”.
وأكد أن السياسة النقدية الحذرة، والمحافظة على مستويات مريحة من الاحتياطيات الأجنبية، والسيطرة النسبية على التضخم، كلها عوامل ساعدت في تعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني.
وأوضح أن إشادة المؤسسات الدولية بالاقتصاد الوطني لا ترتبط فقط برقم النمو بحد ذاته، بل بقدرة الاقتصاد على تحقيق نمو موجب ومتدرج في بيئة إقليمية معقدة، كونها تنظر إلى الاستقرار والقدرة على التكيف، واستمرارية الإصلاح، وليس فقط إلى المؤشر الرقمي في سنة معينة.
وبين أن سر صمود الاقتصاد الوطني يكمن في مزيج من تنوع القاعدة الإنتاجية، وحسن إدارة السياسات المالية والنقدية، والقدرة المؤسسية على التعامل مع الأزمات دون تعطيل النشاط الاقتصادي، مؤكدا أن الأردن لم يكن بعيداً عن الصدمات، لكنه استطاع أن يمتص جزءاً مهماً من آثارها وأن يحافظ على مسار نمو متصاعد نسبياً.
وشدد المجالي على أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مرحلة الصمود إلى مرحلة النمو الأعلى والأكثر توليداً لفرص العمل، من خلال رفع الإنتاجية، وتعزيز الاستثمار، وتوسيع قاعدة الصادرات، وتسريع تنفيذ المشروعات المرتبطة برؤية التحديث الاقتصادي.
— (بترا)



