"\n"
مقالات

أسباب ارتفاع فواتير الكهرباء في الشتاء .. حقائق فنية بعيدًا عن الاتهامات

م. عبدالفتاح الدرادكة

مع حلول فصل الشتاء من كل عام، تتجدد شكاوى المواطنين من ارتفاع فواتير الكهرباء، وتتعدد التفسيرات والاجتهادات عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. وفي ظل تداول معلومات غير دقيقة أو مجتزأة، تبرز الحاجة إلى توضيح الأسباب الحقيقية لارتفاع الاستهلاك، بعيدًا عن إطلاق الاتهامات دون الاستناد إلى حقائق فنية، مع التأكيد على حق المواطن في الاستفسار والاعتراض والتحقق من صحة فاتورته.

ولتفسير الارتفاع الموسمي في فواتير الكهرباء، لا بد من التوقف عند مجموعة من العوامل الفنية والسلوكية التي تؤثر مباشرة في حجم الاستهلاك المنزلي.

أولًا: التدفئة الكهربائية

تُعد التدفئة من أبرز أسباب ارتفاع استهلاك الكهرباء شتاءً. فعلى سبيل المثال، تحتوي بعض المدافئ الكهربائية الشائعة على ثلاث مقاومات، تبلغ قدرة كل منها نحو 700 واط، أي إن تشغيلها جميعًا يستهلك نحو 2100 واط، وهو حمل كهربائي كبير عند تشغيل المدفأة لساعات طويلة، خصوصًا إذا تكرر ذلك في أكثر من غرفة.

وتزداد المشكلة مع انتشار المدافئ الكهربائية منخفضة الثمن، التي يسهل اقتناؤها، لكنها قد تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء مقارنة بوسائل تدفئة أكثر كفاءة.

أما أجهزة التكييف التي تُستخدم للتبريد صيفًا والتدفئة شتاءً، فيختلف استهلاكها بحسب نوعها وكفاءتها ودرجة الحرارة الخارجية. وتتميز المكيفات الحديثة، ولا سيما العاملة بتقنية العاكس (Inverter)، بقدرتها على تنظيم التشغيل وفق الحاجة الحرارية، ما يجعلها أكثر كفاءة في العادة من المدافئ الكهربائية المقاومة عند توفير مستوى مماثل من التدفئة.

ثانيًا: تسخين المياه

يؤدي انخفاض درجة حرارة المياه في فصل الشتاء إلى زيادة الطاقة اللازمة لتسخينها. فالمياه التي قد تصل حرارتها إلى نحو 30 درجة مئوية صيفًا يمكن أن تنخفض إلى أقل من 10 درجات في الشتاء، تبعًا للظروف الجوية ومصدر المياه.

وبالتالي، يحتاج السخان الكهربائي إلى طاقة أكبر لرفع درجة حرارة المياه إلى المستوى المطلوب للاستحمام أو الغسيل أو الجلي. وكلما انخفضت درجة حرارة المياه الداخلة إلى المنزل، زادت الطاقة المطلوبة لتسخين الكمية نفسها.

وتعتمد الزيادة الفعلية على كمية المياه المستخدمة، ودرجة حرارتها، وكفاءة السخان، وجودة العزل الحراري، لكنها تشكل عاملًا مهمًا في ارتفاع الاستهلاك خلال الأشهر الباردة.

ثالثًا: الإنارة وطول ساعات الليل

يقصر النهار في الشتاء، وتطول ساعات الظلام، فتُشغّل الإنارة في وقت أبكر وتبقى مضاءة مدة أطول. ومع بقاء أفراد الأسرة داخل المنزل لساعات إضافية، يزداد استخدام الإنارة والأجهزة الكهربائية المختلفة.

ورغم انتشار مصابيح LED الموفرة للطاقة، فإن تشغيل أعداد كبيرة من المصابيح والأجهزة لساعات طويلة يؤدي إلى زيادة الاستهلاك التراكمي، ولا سيما في المنازل الكبيرة.

رابعًا: اختلاف نمط الحياة بين الفصول

لا يرتبط ارتفاع الاستهلاك الشتوي بالتدفئة وحدها، بل يتأثر أيضًا بتغير نمط الحياة. ففي الشتاء، تميل الأسر إلى البقاء داخل المنازل لفترات أطول، بينما تستفيد في الفصول المعتدلة من الأجواء الخارجية، وتقل الحاجة إلى التدفئة أو التبريد.

أما في الصيف، فعلى الرغم من ارتفاع الحاجة إلى التكييف، فإن نمط استخدام المنازل يختلف عن الشتاء. ولا تُستخدم أجهزة التكييف عادةً خلال فصلي الربيع والخريف بالقدر نفسه، بسبب اعتدال درجات الحرارة وانخفاض الحاجة إلى التدفئة والتبريد.

ومن هنا، فإن مقارنة فاتورة شهر شتوي بفاتورة شهر ربيعي، دون مراعاة اختلاف الظروف الجوية وساعات التشغيل، قد تقود إلى استنتاجات غير دقيقة. وقد يرتفع استهلاك بعض الأسر بصورة كبيرة، وربما يتضاعف، تبعًا لوسائل التدفئة المستخدمة وعدد ساعات تشغيلها، دون أن يعني ذلك أن الزيادة نفسها تنطبق على جميع المشتركين.

خامسًا: دقة العدادات ومتابعة الشكاوى

لا يصح تفسير ارتفاع الفواتير تلقائيًا بأنه ناتج عن ممارسات شركات توزيع الكهرباء أو تحميل المواطنين كلفة الفاقد الكهربائي. فالاستهلاك الفعلي يتأثر بالعوامل السابقة، كما أن مقارنة الفواتير يجب أن تراعي عدد أيام القراءة، وكمية الطاقة المستهلكة بالكيلوواط ساعة، وأي تغير في نمط الاستخدام.

وقد أسهم انتشار العدادات الذكية لدى اغلبية المشتركين في تحسين عمليات قراءة الاستهلاك ومتابعته، والحد من بعض الأخطاء المرتبطة بالقراءات التقديرية أو غير الدقيقة. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد احتمال وجود خطأ في حالات فردية، مهما كان محدودًا، ولذلك ينبغي التعامل مع كل شكوى بجدية والتحقق منها فنيًا.

وفي هذا السياق، تؤدي هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن دورًا رقابيًا في متابعة أداء شركات التوزيع، كما تتيح قنوات لتلقي شكاوى المواطنين وملاحظاتهم. ومن حق أي مشترك يشك في صحة فاتورته أن يتقدم بشكوى إلى شركة التوزيع المعنية أو إلى الهيئة، وأن يطلب التحقق من القراءة وسلامة العداد وفق الإجراءات المعتمدة.

إن ارتفاع فواتير الكهرباء في الشتاء له أسباب فنية واستهلاكية واضحة، في مقدمتها التدفئة الكهربائية، وتسخين المياه، وطول ساعات الإنارة، وتغير نمط الحياة. ومن المهم أن يستند النقاش العام حول هذه القضية إلى البيانات والحقائق، لا إلى الاتهامات والتعميمات.

وفي المقابل، تقع على عاتق المواطنين مسؤولية ترشيد الاستهلاك، واختيار أجهزة التدفئة الأكثر كفاءة، وضبط درجات الحرارة، وعدم تشغيل الأجهزة دون حاجة، ومراقبة الاستهلاك بصورة دورية. كما ينبغي الانتباه إلى سلامة التوصيلات الكهربائية والأسلاك والمقابس، والتأكد من ملاءمتها للأحمال المرتفعة التي تفرضها المدافئ والسخانات، تجنبًا لارتفاع حرارتها وما قد ينجم عن ذلك من مخاطر الحريق.

وختامافإن التوعية بآليات الاستهلاك، والشفافية في التعامل مع الشكاوى، والتحقق الفني من الفواتير عند الاعتراض عليها، تمثل جميعها أساسًا لبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات قطاع الكهرباء، والوصول إلى معالجة موضوعية لهذه القضية التي تتكرر كل شتاء.

والله من وراء القصد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى