
ما شهدته محافظة الكرك من عمل إرهابي جبان استهدف كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك، شكّل جرحاً عميقاً في وجدان الأردنيين، واستهدف أمن الوطن واستقراره، وحاول النيل من حالة الطمأنينة والتماسك التي يتميز بها المجتمع الأردني، إنها جريمة مدانة بكل المقاييس، تكشف الوجه الحقيقي للفكر المتطرف الذي لا يعرف قيمة الحياة، ولا يحترم حرمة الدم، ولا يتردد في استهداف الأبرياء وترويع الآمنين.
إن ما جرى في الكرك يؤكد أن الإرهاب، بكل أشكاله وصوره، لا يستهدف فئة بعينها، ولا يميز بين إنسان وآخر، بل يهدد المجتمعات بأكملها، ويسعى إلى بث الخوف والفرقة والكراهية، وضرب قيم التعايش والتسامح التي تشكل أساس قوة المجتمعات وتماسكها.
إن الأردن، الذي شكّل على الدوام نموذجاً في التآخي والتعايش بين أبنائه، مسلمين ومسيحيين، يؤكد أن دور العبادة، من المساجد إلى الكنائس، هي أماكن للعبادة والسلام والمحبة، وليست ساحات للكراهية أو التفرقة، وتبقى كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك شاهداً على الحضور المسيحي الأصيل في نسيج المجتمع الأردني، وعلى عمق الروابط التي تجمع أبناء الوطن الواحد، مهما اختلفت معتقداتهم.
إن هؤلاء القتلة، بفكرهم المنحرف وأفعالهم الإجرامية، يقفون على النقيض من قيم الدين والإنسانية، فالإرهاب لا يمثل ديناً سماوياً، ولا يعبر عن وطن أو شعب، وإنما هو نتاج فكر ظلامي لا يرى في الحياة إلا ساحة للقتل والدمار، ولا يجد في أمن الناس واستقرارهم إلا عدواً يسعى إلى تقويضه.
إن رسالة الإرهابيين ليست سوى رسالة موت وخراب، تحمل الحقد والكراهية، وتستهدف إزهاق الأرواح الآمنة، وترويع الأطفال والنساء، والاعتداء على حرمة الإنسان وحقه في الحياة والأمن. ويظن هؤلاء أن العنف قادر على كسر إرادة الشعوب، لكنهم يتناسون أن الأوطان التي تتماسك في مواجهة المحن تزداد قوةً وصلابة، وأن دماء الشهداء ستبقى حاضرة في ضمير الوطن وذاكرته.
إن مشروع الإرهاب هو مشروع تخريب وتشريد وقتل، ومشروع يستهدف تعطيل التنمية، وتقويض الاستقرار، ونشر الفقر والجهل والخوف، وإعاقة مسيرة المجتمعات نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً. وهو خطر لا يهدد دولة بعينها، بل يطال الإنسانية جمعاء، ما يستدعي تضافر الجهود لمواجهته، وتجفيف منابع التطرف، وترسيخ قيم الاعتدال والوسطية، وتعزيز ثقافة الحوار وقبول الآخر.
لقد أثبت الأردنيون، عبر تاريخهم، أن وحدتهم الوطنية وتكاتفهم في الشدائد هما مصدر قوتهم، وأن محاولات العبث بأمن الأردن لن تنال من عزيمتهم، ولن تنجح في زرع الفرقة بين أبنائه. وستبقى الكرك، بتاريخها الوطني العريق ومواقف أبنائها المشرفة، جزءاً أصيلاً من حكاية الأردن في التضحية والصمود والوفاء، وعنواناً للأخوة الوطنية التي تتجاوز كل أشكال الاختلاف.
ولعل هذه الحادثة الأليمة تذكّرنا جميعاً بأن الإرهاب لا دين له ولا هوية ولا وطن، وأن مواجهته مسؤولية مشتركة تتطلب الوعي والوحدة والتمسك بالقيم الوطنية والإنسانية. فالإرهاب عدو الإنسان أينما كان، ولن يكون قادراً على هزيمة الشعوب التي تتمسك بوحدتها وتؤمن بحق الجميع في الحياة والكرامة والأمان.
رحم الله شهداء حادثة الكرك الإرهابية، وأسكنهم فسيح جناته، وألهم ذويهم وأهلهم ومحبيهم جميل الصبر وحسن العزاء، ونسأل الله أن يحفظ الأردن من كل سوء، وأن يديم عليه نعمة الأمن والاستقرار، وأن يبقى وطننا عصياً على الإرهاب والتطرف، قوياً بوحدة أبنائه، مسلمين ومسيحيين، شامخاً بإرادتهم وتضحياتهم.
الإرهاب لا دين له ولا وطن، والأردن سيبقى أقوى بوحدة شعبه، وأسمى بقيم التآخي والتسامح، وأصلب في مواجهة كل من يحاول النيل من أمنه واستقراره.



