
لم يعد المستقبل موعداً بعيداً ننتظره بل أصبح واقعاً يتشكل أمامنا كل يوم فالذكاء الاصطناعي يدخل في تفاصيل الحياة والعمل والروبوتات تعيد رسم ملامح الصناعة والمنصات الرقمية تتجاوز الحدود فيما تتسابق الدول على امتلاك المعرفة والابتكار والأسواق وفي خضم هذا التحول يقف الأردن أمام فرصة تاريخية للانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى المشاركة في صناعتها وتطويرها وتصديرها.
يمتلك الأردن قاعدة مهمة للانطلاق تتمثل في شبابه المتعلم وكفاءاته البشرية وجامعاته وخبراته المتراكمة في الاتصالات والخدمات والتكنولوجيا إلى جانب موقعه الاستراتيجي وعلاقاته الدولية الواسعة وقد أثبت الأردنيون قدرتهم على النجاح والتميز في كبريات المؤسسات الإقليمية والعالمية ما يؤكد أن المملكة تمتلك العقول القادرة على المنافسة متى توافرت لها البيئة المناسبة والدعم المطلوب.
لكن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية فالفكرة يجب أن تصبح اختراعاً والاختراع منتجاً والمنتج شركة قادرة على التوسع والتصدير وتوفير فرص العمل ومن هنا فإن الاستثمار في العقول الأردنية ليس خياراً تعليمياً فحسب بل مشروع اقتصادي وطني يمكن أن يفتح أبواباً واسعة للنمو ويمنح الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة التحديات.
وتأتي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين لتفتح آفاقاً جديدة أمام الأردن في الاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية والصناعة والتكنولوجيا والابتكار وسلاسل الإمداد فالصين ليست سوقاً ضخمة فقط بل تجربة عالمية ناجحة في الانتقال من التصنيع إلى امتلاك المعرفة والتكنولوجيا والوصول إلى الأسواق الدولية.
وقد نجح جلالة الملك من خلال تحركاته وعلاقاته الدولية في فتح أبواب الأردن أمام الاستثمارات والشراكات النوعية، والمطلوب استثمار هذه الفرص في نقل التكنولوجيا وتطوير الكفاءات المحلية وإدخال الشركات الأردنية في سلاسل الإنتاج العالمية وصولاً إلى منتجات وخدمات تحمل هوية أردنية وتنافس خارج حدود المملكة.
ويمكن للأردن بناء شراكات لإنشاء مراكز متخصصة في الذكاء الاصطناعي والروبوتات ومختبرات للابتكار وحاضنات تحول أفكار الشباب إلى منتجات قابلة للتسويق إلى جانب تعزيز الشراكة بين الجامعات والقطاع الخاص وربط البحث العلمي باحتياجات الصناعة والاقتصاد.
وتنسجم هذه الرؤية مع اهتمام جلالة الملك وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد بتمكين الشباب وتطوير مهاراتهم فاقتصاد المستقبل يحتاج إلى شاب لا يبحث عن وظيفة فقط بل يستطيع أن يكون مبرمجاً ومخترعاً وباحثاً ومؤسس شركة وصاحب منصة تصل إلى العالم.
كما يمتلك الأردن فرصاً واعدة في التكنولوجيا الطبية والأمن السيبراني والطاقة والمياه والتعليم الرقمي والسياحة الذكية وليس المطلوب منافسة العالم في جميع المجالات وإنما اختيار قطاعات محددة يمتلك فيها الأردن ميزات حقيقية وبناء تخصص وطني قادر على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
وهنا يأتي دور الحكومة في ترجمة الرؤية الملكية إلى نتائج ملموسة من خلال تسريع التنفيذ وتسهيل الاستثمار ودعم المخترعين والشركات الناشئة وربط الجامعات بالصناعة وفتح الأسواق أمام المنتج الأردني فالنجاح يحتاج إلى شراكة حقيقية تجمع الحكومة والقطاع الخاص والجامعات والشباب ضمن أهداف واضحة تقاس بالإنجازات.
قبل عام 2030 يجب أن يكون طموحنا رؤية المزيد من الاختراعات الأردنية والشركات التكنولوجية والمنصات الرقمية وهي تنطلق إلى العالم فالأردن يمتلك الإنسان القادر والعلاقات التي تفتح الأبواب والفرصة متاحة ليحجز مكانه في الاقتصاد الجديد ويتحول من مستهلك للتكنولوجيا إلى شريك فاعل في صناعتها وابتكار مستقبلها.



