"\n"
مقالات

زيارة الملك إلى الصين.. فرصة لإعادة هندسة موقع الأردن في الاقتصاد العالمي

د. محمد الحدب

تأتي زيارة الدولة التي يبدؤها جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية في توقيت تتغير فيه سلاسل التوريد ومراكز التصنيع والاستثمار عالميًا، بالتزامن مع دخول الأردن المرحلة الثانية من رؤية التحديث الاقتصادي ٢٠٢٦-٢٠٢٩، التي تتطلب استثمارات نوعية، ونقلًا للتكنولوجيا، وزيادة في الصادرات وفرص العمل. 

وتكتسب الزيارة أهمية خاصة لجمعها بين المستوى السياسي والبعد الاقتصادي والاستثماري. وبعد نحو أحد عشر عامًا على إقامة الشراكة الاستراتيجية الأردنية– الصينية عام ٢٠١٥، أرى أن السؤال لم يعد: كم نتاجر مع الصين؟ بل: ماذا يمكن أن تنتج الصين في الأردن؟ وماذا يمكن أن نصدر معها إلى الصين والأسواق العالمية؟

وتعكس الأرقام حجم الفرصة؛ فقد تجاوزت الصادرات الصينية إلى الأردن نحو ٥٫١ مليار دولار عام ٢٠٢٤، مقابل قرابة ٣١٨ مليون دولار للصادرات الأردنية إلى الصين. ولا تكمن المعالجة في تقليص الواردات، وإنما في جذب جزء أكبر من رأس المال الصناعي الصيني إلى الأردن، وزيادة قدرة المنتجات الأردنية على النفاذ إلى السوق الصينية والأسواق الثالثة.

ويمتلك الأردن مقومات يمكن البناء عليها، أبرزها موقعه الجغرافي، وميناء العقبة، وشبكة اتفاقياته التجارية، وقدرته على توفير منصة إنتاج وتصدير إقليمية. لكن تحويل هذه المزايا إلى استثمارات فعلية يتطلب معالجة كلفة الطاقة والنقل، وتسريع الإجراءات، وتوفير المهارات المتخصصة، واستقرار الحوافز، في ظل منافسة إقليمية قوية على الاستثمار الصناعي.

ولدينا نموذج عملي يمكن البناء عليه؛ فقد وصلت استثمارات مجموعة جينشينج إنترناشونال الصينية في الأردن إلى نحو ٨٣٠ مليون دولار منذ عام ٢٠٢٢، وتصدر نحو ٦٠٪ من منتجاتها إلى أسواق خارجية، فيما تتضمن خطط التوسع تجمعًا صناعيًا يصل إلى ٤٠ مصنعًا متخصصًا. والمطلوب تحويل هذه التجربة من حالة منفردة إلى مسار استثماري أوسع.

ومن هنا، يمكن أن يكون أحد مخرجات الزيارة إطلاق ممر صناعي واستثماري أردني– صيني يربط المناطق الصناعية بالعقبة والخدمات اللوجستية والحوافز والتدريب والتمويل، ويركز على صناعات ذات قدرة حقيقية على خلق قيمة مضافة وصادرات، خصوصًا الطاقة وتخزينها والمركبات الكهربائية، والصناعات الهندسية والتحويلية، والتعدين والصناعات الكيماوية.

ويستحق التعدين والصناعات التحويلية أولوية خاصة؛ فالأردن يمتلك الفوسفات والبوتاس والبروم، والتحدي هو الانتقال من تصدير المواد والمدخلات إلى بناء سلاسل قيمة تمتد إلى التصنيع والمنتجات ذات القيمة المضافة، بحيث يبقى جزء أكبر من القيمة والتشغيل والدخل داخل الاقتصاد الوطني.

وفي المقابل، يجب أن يصبح رفع الصادرات الأردنية إلى الصين مشروعًا مستقلًا، من خلال معالجة متطلبات التسجيل والمواصفات والنفاذ إلى السوق، والترويج للدواء والغذاء والأسمدة والمنتجات الكيماوية، وإنشاء مسار مؤسسي يساعد الشركات الأردنية على دخول السوق الصينية بدل أن تواجه كل شركة الإجراءات منفردة.

أما التكنولوجيا، فيجب ألا يقتصر التعاون على استيراد المعدات، بل أن يصاحبه نقل للمعرفة عبر مراكز تدريب وتطوير مشتركة، وربط الشركات الصينية بالجامعات ومؤسسات التدريب، وتطوير الموردين المحليين، بحيث يتحول الاستثمار إلى قدرات بشرية وتكنولوجية وصناعية متراكمة داخل الاقتصاد الأردني.

وفي الوقت نفسه، لا يحتاج الأردن إلى الاختيار بين الشرق والغرب؛ بل عليه مواصلة تنويع شراكاته مع الصين والولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج، بما يخدم مصالحه الوطنية ويعزز قدرته على الوصول إلى الأسواق ورؤوس الأموال والتكنولوجيا.

ولتحويل نتائج الزيارة إلى واقع، أقترح طرح عشرة مشاريع استثمارية جاهزة، لكل منها أرض ودراسة أولية وحوافز وجدول زمني وجهة متابعة، وإنشاء مسار تنفيذي أردني– صيني يقيس حجم الاستثمار، وعدد المصانع والوظائف، ونسبة المكون المحلي، وحجم الصادرات ونقل التكنولوجيا.

فالاختبار الحقيقي للزيارة لن يكون عدد الاتفاقيات، بل ما يتحقق بعدها: كم مصنعًا بدأ الإنتاج؟ كم استثمارًا دخل المملكة؟ كم أردنيًا حصل على وظيفة أو مهارة جديدة؟ وكم ارتفعت صادراتنا؟ إذا تحققت هذه النتائج، تصبح الزيارة خطوة عملية في إعادة تموضع الأردن داخل الاقتصاد العالمي، وتحويله تدريجيًا من سوق تستورد من الصين إلى شريك ينتج ويصدّر معها ومن خلالها.

الرأي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى