"\n"
رئيسيمحليات

صندوق الزكاة: نموذج أردني للتكافل والتمكين

أردني – لم تكن رسالة تحويل الراتب الشهري لأرملة تعيل 4 أطفال في أحد أحياء العاصمة مجرد إشعار مالي عابر، بل نافذة أمل تطل منها على الطمأنينة وسط أعباء المعيشة المتزايدة، لتصبح أكثر قدرة على تأمين احتياجات أسرتها الأساسية وضمان استقرار أبنائها.

وفي محافظة أخرى، يواصل طالب يتيم مسيرته التعليمية بفضل كفالة ساعدته على تجاوز الظروف المالية الصعبة، فيما استعادت امرأة غارمة حريتها واستقرار أسرتها بعد تسديد ديونها وبدء صفحة جديدة في حياتها.

هذه النماذج ليست سوى جزء من آلاف القصص التي تتقاطع يوميا مع عمل صندوق الزكاة، الذي نجح في تحويل فريضة الزكاة من مساعدات مالية إلى منظومة متكاملة للحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي.

وتعود بدايات العمل المؤسسي للزكاة في الأردن إلى أربعينيات القرن الماضي، قبل أن يتعزز هذا الدور بإنشاء صندوق الزكاة، الذي يعمل اليوم عبر شبكة واسعة من المكاتب ولجان الزكاة المنتشرة في مختلف محافظات المملكة، لضمان وصول أموال الزكاة إلى مستحقيها وفق الضوابط الشرعية والرقابية المعتمدة.

ويؤكد رئيس مجلس إدارة صندوق الزكاة، وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الدكتور محمد الخلايلة، أن الثقة التي يحظى بها الصندوق بين المزكين تشكل الركيزة الأساسية لاستمرار رسالته، مشيرا إلى أن جميع أموال الزكاة توجه إلى مصارفها الشرعية من خلال برامج مدروسة تستهدف الفئات الأكثر حاجة.

وقال إن الصندوق لا ينظر إلى الزكاة بوصفها مجرد دعم مالي مؤقت، بل كأداة فاعلة لتعزيز التكافل الاجتماعي وتمكين الأسر من تحسين أوضاعها المعيشية والاعتماد على الذات.

وتعكس الأرقام حجم هذا الدور، إذ يقدم الصندوق رواتب شهرية منتظمة لنحو 5500 أسرة محتاجة في مختلف أنحاء المملكة، كما يكفل اكثر من 3000 يتيم ويوفر المساعدات الطارئة لآلاف الأسر التي تواجه ظروفا استثنائية إلى جانب توزيع المساعدات الموسمية عبر الأيام الخيرية والعيديات النقدية.

ولا تتوقف فلسفة الصندوق عند حدود الإغاثة المباشرة، بل تمتد إلى التمكين الاقتصادي باعتباره الطريق الأكثر استدامة لمواجهة الفقر، وفي هذا الإطار، مول الصندوق مئات المشاريع الإنتاجية الصغيرة التي أتاحت لأسر مستفيدة إنشاء مصادر دخل مستقلة والانتقال من دائرة الاعتماد على المساعدة إلى دائرة الإنتاج والعمل، إذ مول الصندوق 100 مشروع إنتاجي سنويا بصورة منتظمة خلال السنوات العشر الأخيرة.

ويقول الخلايلة، إن برامج التمكين الاقتصادي أصبحت أحد أهم محاور عمل الصندوق، لأنها تعالج أسباب الفقر وتسهم في بناء قدرات الأسر وتمكينها اقتصاديا، بما ينعكس على استقرارها ومستقبل أبنائها.

وفي جانب آخر من العمل الإنساني تبرز مبادرة “الغارمات” التي أطلقها الصندوق عام 2019 وأسهمت في الإفراج عن نحو 9 آلاف غارمة بكلفة تجاوزت 5 ملايين دينار، ما منح آلاف النساء فرصة جديدة للعودة إلى أسرهن واستعادة استقرارهن الاجتماعي والنفسي.

ولا تقتصر جهود الصندوق على المساعدات المالية، بل تمتد إلى مجالات السكن والصحة والتعليم بوصفها ركائز أساسية للحياة الكريمة، فقد أسهم في توفير مساكن وصيانة منازل لأسر محتاجة، كما ينفذ مستشفى المقاصد الخيري الوقفي التابع للصندوق أياما طبية مجانية استفاد منها آلاف المرضى من ذوي الدخل المحدود.

وفي قطاع التعليم، يواصل الصندوق دعم الطلبة من أبناء الأسر المحتاجة من خلال المنح والمساعدات التعليمية وتوزيع الحقائب المدرسية، إيمانا بأن التعليم يمثل أحد أهم أدوات كسر دائرة الفقر وفتح آفاق المستقبل أمام الأجيال الجديدة.

ويرى الخلايلة، أن تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الزكاة يمثل ضرورة لتعظيم أثرها التنموي والاجتماعي، مشددا على أهمية توجيه أموال الزكاة عبر المؤسسات الرسمية والمرخصة لضمان وصولها إلى مستحقيها وتحقيق أكبر أثر ممكن في المجتمع.

وأضاف إن التطور التكنولوجي ووسائل الإعلام الحديثة يوفران فرصا مهمة لتعزيز ثقافة الزكاة وترسيخ دورها في دعم جهود التنمية ومكافحة الفقر وتحقيق التكافل الاجتماعي.

وبينما تبدو الأرقام مؤشرا مهما على حجم العمل الذي ينجزه الصندوق، تبقى قصص المستفيدين الشاهد الأبرز على أثر هذه الفريضة حين تدار بمنهجية مؤسسية حديثة؛ فخلف كل راتب شهري أسرة أردنية وجدت شيئا من الطمأنينة وخلف كل كفالة يتيم حلم يقترب من التحقق وخلف كل مشروع إنتاجي قصة شخص انتقل من الحاجة إلى العمل والإنتاج.

وبهذا المعنى، يواصل صندوق الزكاة أداء رسالته بوصفه النموذج الوطني الذي يجمع بين روح الفريضة وأهداف التنمية، ويؤكد أن الزكاة ليست مجرد أموال تدفع، بل حياة تبنى، وكرامة تصان وأمل يتجدد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى