أردني – يظل عالم كرة القدم شاهدا على قصص وصراعات تتجاوز المستطيل الأخضر، لتلمس أوتار الهوية، الانتماء، والوفاء للجذور.
وضمن سلسلة “أحلام بين علمين”، تبرز حكاية استثنائية لم تضع لاعبا واحدا في حيرة الاختيار، بل شطرت بيتا واحدا وعائلة واحدة إلى نصفين، ليرتدي الأخ الأكبر قميص موطن الآباء والأجداد، بينما يختار الشقيق الأصغر السير خلف بريق العالمية.. إنها قصة الأخوين إينياكي ونيكو ويليامز، ثنائي أتلتيك بيلباو.
من جحيم الصحراء إلى أضواء الليجا
تبدأ القصة بعائلة ويليامز، وهي تخوض صراعا من نوع آخر، للبقاء على قيد الحياة.. ففي تسعينيات القرن الماضي، حزم الأب “فيليكس” والأم “ماريا” أمتعتهما هاربين من وطأة الظروف في غانا، عابرين الصحراء الكبرى مشياً على الأقدام وسط أهوال الموت والجوع، وتواصلت الرحلة حتى إقليم الباسك الإسباني.
في هذه الظروف الصعبة وُلد إينياكي (1994) ثم نيكو (2002)، لتبدأ رحلة صعود مذهلة انطلقت من الفقر المدقع ووعد قطعه إينياكي لوالدته الباكية ذات يوم: “سأصبح لاعباً محترفاً وأنهي هذه المعاناة”.
إينياكي.. الاستجابة لنداء الجذور
طوال سنوات، كان إينياكي ويليامز يمثل أيقونة لنادي أتلتيك بيلباو، ولعب 17 مباراة مع منتخب إسبانيا تحت 21 عاما، وفي مايو 2016، لعب مباراته الوحيدة مع منتخب إسبانيا الأول وكان ذلك في ودية أمام البوسنة.
وظل بعدها لسنوات يترقب فرصة حقيقية مع “لاروخا”، لكن مع مرور الوقت وتوالي البطولات الكبرى دون استدعاء رسمي، طرق الاتحاد الغاني لكرة القدم بابه بقوة قبل مونديال قطر 2022.
هنا، لم يكن القرار رياضياً بحتاً، بل كان عاطفياً وإنسانياً؛ حيث لعب الجد دورا محورياً عندما طلب من إينياكي قبل وفاته أن يرتدي قميص “النجوم السوداء”.
استجاب إينياكي لنداء الدم، واختار تلبية رغبة عائلته وإعادة الروابط مع وطنه الأم غانا، ليعلن رسمياً تحول ولائه الدولي، ليظهر مع النجوم السوداء في 26 مباراة، وسافر إلى مونديال 2026 رافعاً علم بلد لم يعش فيه، لكنه يجري في عروقه.
نيكو.. السير في طريق الماتادور
على الجانب الآخر من الصراع، كان الشقيق الأصغر نيكو ويليامز يمر بمنعطف مختلف تماما.
ولد نيكو في مطلع الألفية وتدرج في الفئات السنية للمنتخبات الإسبانية، ومع بزوغ نجمه كأحد أسرع وأخطر الأجنحة في الليجا، سارعت إسبانيا لتأمين موهبته وتوجيه الدعوة له.
نيكو، رأى أن مستقبله وحلمه الكروي يكمن تحت راية الماتادور، ولم يلتفت للإغراءات العاطفية التي سار خلفها شقيقه الأكبر، واختار تمثيل إسبانيا، ليتحول سريعاً من موهبة واعدة إلى بطل قومي ساهم بشكل أساسي في قيادة “لاروخا” لمنصات التتويج، حافرا اسمه بحروف من ذهب.
ولعب نيكو ويليامز، في 30 مباراة حتى الآن وساهم بقوة في الفوز بيورو 2024، وسيشارك أيضا في مونديال 2026.
بيت واحد.. وعلمان في المونديال
جسد مونديال قطر 2022 الذروة الدرامية لهذه القصة، عندما دخل الشقيقان البطولة تحت علمين مختلفين، في مشهد نادر يعيد للأذهان ما حدث سابقاً مع الأخوين بواتينج (جيروم وكيفين برينس) مع ألمانيا وغانا.
عاشت الأم “ماريا” مشاعر منقسمة، يملأها الفخر والخوف في آن واحد، وهي ترى ابناً يقاتل من أجل ألوان إسبانيا، والآخر يذود عن شعار غانا.
ويتكرر الأمر في مونديال 2026، عندما يلعب نيكو ويليامز مع إسبانيا، وإينياكي ويليامز مع غانا.