
أردني – مع حلول الذكرى الـ80 لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية، يبرز قطاع التعليم بوصفه أحد أعمدة بناء الدولة الحديثة، بعد مسيرة طويلة انتقلت خلالها المنظومة التعليمية من بضع عشرات المدارس في مطلع عشرينيات القرن الماضي إلى شبكة واسعة تضم آلاف المدارس ومئات الآلاف من المعلمين وملايين الطلبة، في تحول يعكس تطور الدولة الأردنية واستثمارها المستمر في بناء الإنسان.
وخلال العقود الماضية، لم يعد التعليم يقتصر على نشر المدارس في المدن والقرى والبوادي، بل تحول إلى مشروع وطني متكامل للتحديث يشمل تطوير المناهج، وتعزيز التعليم المهني والتقني، والتوسع في رياض الأطفال، وتطوير التعليم العالي، إلى جانب إطلاق مبادرات واسعة لبناء مدارس جديدة تعالج الاكتظاظ والمدارس المستأجرة ونظام الفترتين، بما يعزز جودة البيئة التعليمية ويرتقي بمخرجات القطاع.
وحظي قطاع التعليم بمتابعة مباشرة من جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي أكد في أكثر من مناسبة أهمية تطوير التعليم وربطه باحتياجات سوق العمل، والتوسع في التعليم المهني والتقني، وتحديث مدارس التعليم الفني والمهني، وتعزيز استخدام التكنولوجيا في العملية التعليمية، ضمن مسارات التحديث الاقتصادي والإداري في المملكة.
كما شدد جلالته في عدة مناسبات، على أهمية الاستثمار في الإنسان الأردني وتطوير البيئة التعليمية وتحسين جودة التعليم في مختلف مناطق المملكة، بما يسهم في إعداد جيل قادر على مواكبة متطلبات المستقبل.
كما برز اهتمام سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، بملف التعليم، من خلال التركيز على تطوير التعليم المهني والتقني وتمكين الشباب بالمهارات التطبيقية والتكنولوجية الحديثة، إلى جانب دعم تدريب المعلمين وتحسين البيئة المدرسية.
وأكد سموه، خلال اجتماعات ومبادرات مرتبطة بمسارات التحديث، أهمية مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، وتعزيز التعليم التقني والابتكار وريادة الأعمال بين الشباب. ويبرز هذا التوجه من خلال مبادرات مؤسسة ولي العهد، وفي مقدمتها جامعة الحسين التقنية، التي أُنشئت لتطوير التعليم التقني والتطبيقي ورفد سوق العمل بكفاءات مؤهلة، إضافة إلى برامج تستهدف تمكين الشباب بالمعرفة والمهارات والتكنولوجيا وتعزيز مشاركتهم في التنمية الاقتصادية.
وتشير البيانات الرسمية إلى أنه منذ العام الدراسي 1921/1922 شهد وجود 44 مدرسة يعمل فيها 81 معلماً ومعلمة ويبلغ عدد طلبتها نحو 3316 طالباً وطالبة. وبحلول العام الدراسي 2024/2025 ارتفع عدد المدارس إلى 7552 مدرسة وعدد المعلمين إلى 137,988 معلماً ومعلمة، وتجاوز عدد الطلبة مليوني طالب. كما بيّنت بيانات الوزارة أن نهاية عام 2023 شهدت وجود 4062 مدرسة حكومية يعمل فيها 96,288 معلماً ومعلمة يدرسون 1.6 مليون طالب، إضافة إلى 3234 مدرسة خاصة يعمل فيها 42,860 معلماً ومعلمة ويزيد طلبتها على 555 ألف طالب.
بناء المدارس.. العنوان الأبرز للتحديث التعليمي
يتقدم ملف الأبنية المدرسية إلى صدارة أولويات وزارة التربية والتعليم، باعتباره مفتاحاً لتحسين جودة البيئة التعليمية وتقليل الاكتظاظ والتخلص التدريجي من المباني المستأجرة وإنهاء نظام الفترتين الصباحية والمسائية. وفي هذا السياق، أعلن وزير التربية والتعليم خطة لإنشاء 500 مدرسة جديدة خلال أربع سنوات للتخلص من المدارس الحكومية المستأجرة وإنهاء الفترتين. وتشير الأرقام إلى أن نحو 20% من مباني المدارس الحكومية البالغ عددها حوالى 3600 مبنى هي مبانٍ مستأجرة؛ فيما تذكر مصادر أخرى أن هناك 4083 مدرسة حكومية منها 635 مدرسة مستأجرة، وهو اختلاف ناتج عن احتساب عدد الأبنية مقابل عدد المدارس.
وفي العام الدراسي 2024/2025 تسلّمت الوزارة 34 مدرسة جديدة بكلفة تقارب 42 مليون دينار، ونُفّذت 37 مشروعاً لإضافات صفية بكلفة 15 مليون دينار، إضافة إلى 89 غرفة لرياض الأطفال ضمن مشاريع إنشاء مدارس وإضافات صفية بكلفة 6 ملايين دينار. وتوجد حالياً 35 مدرسة قيد التنفيذ بكلفة نحو 68 مليون دينار، و29 مشروع إضافات صفية بكلفة 7 ملايين دينار، و45 غرفة لرياض الأطفال بكلفة 3 ملايين دينار. وتستهدف الوزارة تسلّم 85 مدرسة جديدة بنهاية العام الدراسي 2025/2026 لتخفيف الضغط على المدارس القائمة.
وتنفذ الوزارة أيضاً برنامجاً واسعاً لصيانة المدارس؛ فقد تم تنفيذ أعمال صيانة لـ700 مدرسة بكلفة 21 مليون دينار، وتستهدف الخطة صيانة 700 مدرسة أخرى بكلفة 30 مليون دينار، مع التركيز على السلامة العامة والوحدات الصحية والتدفئة المركزية.
تمويل وشراكات لبناء مدارس جديدة
لا تقوم خطة بناء المدارس على التمويل الحكومي وحده، بل تستند إلى شراكات وتمويلات متعددة. وتشمل المشاريع قرضاً من الاتحاد الأوروبي بقيمة 100 مليون يورو لبناء 20 مدرسة جديدة و20 غرفة صفية، ومنحة أميركية بقيمة 125 مليون دولار لإعادة هيكلة مدارس في عدة مناطق ورفع طاقتها الاستيعابية، إضافة إلى قرض كويتي بقيمة نحو 36 مليون دينار يتضمن مراحل عدة لبناء مدارس جديدة.
كما يجري العمل على إنشاء 19 مدرسة جديدة ضمن المسؤولية المجتمعية لجمعية البنوك الأردنية، إلى جانب تحديد 50 موقعاً ذات أولوية لإنشاء مدارس جديدة.
وتطرح الوزارة نموذجاً للشراكة مع القطاع الخاص لإنشاء 19 مدرسة حكومية وفق نموذج التصميم والبناء والتمويل والتشغيل ثم التحويل، بحيث تعتمد هذه المدارس مصادر الطاقة المتجددة لتوفير الكهرباء مع بقاء الإدارة التعليمية ضمن مسؤولية الوزارة. وتسهم هذه الشراكات في تسريع تنفيذ خطة التخلص من المدارس المستأجرة وإنهاء نظام الفترتين.
رياض الأطفال والتعليم المبكر
يمثل التعليم المبكر ركناً أساسياً في تحسين مخرجات التعليم، إذ تتوسع وزارة التربية والتعليم في إنشاء شعب وغرف رياض الأطفال، بما يعزز جاهزية الأطفال للتعلم ويقلل الفجوات المبكرة.
وخلال العام الدراسي 2024/2025 تم إنشاء 89 غرفة لرياض الأطفال، ويوجد 45 غرفة قيد التنفيذ. كما أعلن عن خطة لإضافة 176 شعبة لرياض الأطفال في عام 2026 ضمن التوسع في التعليم المبكر.
وفي إطار تطوير الجودة، جرى خلال الربع الأول من عام 2025 تطوير الدليل التدريبي لنظام ضمان جودة رياض الأطفال وتنفيذ ورش تعريفية استهدفت مديريات ومعلمات رياض الأطفال في 1400 مدرسة، ما يدعم رفع جودة هذه المرحلة.
التعليم المهني والتقني.. مسار يربط المدرسة بسوق العمل
يشهد التعليم الأردني تحولاً واضحاً نحو التعليم المهني والتقني، من خلال مسارات يمكن للطلبة الالتحاق بها بعد الصف التاسع، تشمل مساراً أكاديمياً وآخر مهنياً تقنياً.
وبدأ تطبيق نظام BTEC للتعليم المهني في العام الدراسي 2023/2024 بمجموعة من التخصصات المهنية، وضم البرنامج عشرة تخصصات في تلك الفترة، منها الهندسة، والزراعة، والفندقة والسياحة، والتجميل، وإدارة الأعمال، وتكنولوجيا المعلومات، والفنون والتصميم، والإعلام الإبداعي، والبناء والبيئة العمرانية، والسفر والسياحة.
ومع التوسع المستمر، زاد عدد التخصصات إلى 12 تخصصاً في العام الدراسي 2025/2026 بعد إدخال تخصصات جديدة، وتعتزم الوزارة إضافة تخصصات مثل هندسة الطيران والرياضات الإلكترونية ورعاية الطفولة المبكرة في السنوات المقبلة. ويقدم البرنامج حالياً في 331 مدرسة في مختلف مناطق المملكة، ما يتيح للطلبة خيارات مهنية أوسع وأكثر ارتباطاً بسوق العمل.
المناهج والاختبارات والتحول في أدوات التقييم
لم يتوقف تحديث التعليم عند الأبنية المدرسية، بل شمل المناهج والاختبارات الوطنية وأدوات القياس.
ففي الربع الأول من عام 2025 تم إعداد نماذج اختبارية للمباحث الأساسية، وهي اللغة العربية واللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم للصف الثامن، إضافة إلى إعداد نماذج لمبحثي اللغة العربية والرياضيات للصف الثالث، ضمن جهود تطوير الاختبارات الوطنية لتقترب من الاختبارات الدولية.
كما يتواصل العمل على تطوير الثانوية العامة، وإنشاء بنك أسئلة، وتجهيز قاعات لعقد الامتحانات المحوسبة، بما يسهم في تعزيز موضوعية أدوات التقييم وشفافيتها.
المعلم في قلب العملية التعليمية
يبقى المعلم محور العملية التعليمية وأساس تطويرها. وتشير بيانات الربع الأول من عام 2025 إلى تدريب 11,307 معلمين ومعلمات تدريباً وجاهياً أثناء الخدمة، إضافة إلى 1000 مشرف ومشرفة. كما استفاد 10,050 موظفاً وموظفة من التدريب عن بُعد عبر المنصة الإلكترونية.
وتزامن ذلك مع تدريب 12,307 موظفين وموظفات تدريباً وجاهياً ضمن مساري المعلم والإداري لتعزيز التنمية المهنية للقادة التربويين.
ولتسهيل وصول الطلبة ذوي الإعاقة الحركية إلى مدارسهم، جرى تزويد 2176 طالباً وطالبة ببدل مواصلات. كما تتواصل برامج التدريب والتنمية المهنية للمعلمين لتعزيز مهاراتهم التربوية والتقنية.
مبادرات تعليمية تعزز التميز والانتماء
تتعدد المبادرات التعليمية التي تعزز التميز والانتماء، منها إنشاء مدارس الملك عبدالله الثاني للتميز التي تقدم نمطاً تعليمياً إثرائياً للطلبة الموهوبين والمبدعين.
كما توجد مبادرات مثل التغذية المدرسية، وجائزة اللياقة البدنية والصحية، وجوائز التميز التربوي، ونظام رتب المعلمين، وصندوق إسكان المعلمين، وهي برامج تساهم في تحسين البيئة المدرسية ورفع مكانة التعليم والمعلم في المجتمع.
وفي إطار تعزيز الانتماء للمدرسة، أُقر الدليل الإجرائي لمبادرة “لمدرستي أنتمي” وتم تعميمه على المدارس لتطبيقه، كما جرى تزويد الطلبة ذوي الإعاقة الحركية ببدل مواصلات لضمان اندماجهم في البيئة المدرسية.
التعليم العالي.. من الجامعة الأولى إلى منظومة وطنية واسعة
بدأ الاهتمام بالتعليم العالي مبكراً في الأردن. ففي عام 1962 صدرت الإرادة الملكية بإنشاء أول جامعة في المملكة تحت اسم “الجامعة الأردنية” في شمال عمّان، لتكون نواة التعليم الجامعي وتضم في بداياتها كلية الآداب وقسماً واحداً.
وتوسع النظام الجامعي لاحقاً بصدور قانون التعليم العالي لعام 1980، وإنشاء مجلس التعليم العالي عام 1982، ثم وزارة التعليم العالي عام 1985، وفي عام 1998 أُلغيت الوزارة قبل أن يُعاد تأسيسها باسم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في 21 آب/أغسطس 2001.
وفي عام 2007 أقر قانون اعتماد مؤسسات التعليم العالي وضمان جودتها الذي أسس هيئة اعتماد تتولى ضبط جودة مؤسسات التعليم العالي ومعايير اعتمادها.
وتشير بيانات وزارة التعليم العالي لعام 2026 إلى وجود 10 جامعات رسمية و10 كليات جامعية رسمية تستقطب 287,320 طالباً وطالبة، أي ما نسبته 60% من إجمالي طلبة التعليم العالي، فيما تضم المؤسسات الخاصة 18 جامعة و42 كلية مجتمع خاصة تحتضن 192,689 طالباً وطالبة. ويبلغ مجموع طلبة التعليم العالي 480,009 طلبة. ويعمل في الجامعات الرسمية 8508 أعضاء هيئة تدريس مقابل 5644 عضواً في الجامعات الخاصة.
صندوق دعم الطالب الجامعي
يمثل صندوق دعم الطالب الجامعي أحد أهم أدوات دعم العدالة في التعليم العالي. ومنذ تأسيسه عام 2004 وحتى نهاية 2025، بلغ عدد الطلبة المستفيدين من منح كاملة أو جزئية أو قروض 747,430 طالباً وطالبة، فيما بلغت القيمة الإجمالية للمنح والقروض 687,458,263 ديناراً.
وتوزعت هذه المبالغ على 36,356 منحة كاملة، و272,121 منحة جزئية، و438,953 قرضاً تعليمياً، ما يعكس دور الصندوق في توسيع فرص الوصول إلى التعليم الجامعي وتخفيف العبء المالي عن الأسر.
التعليم في الاستقلال الـ80.. مشروع وطني يتجدد
تُظهر مسيرة التعليم الأردني خلال ثمانية عقود تحوّلاً كبيراً من 44 مدرسة و81 معلماً في بدايات التأسيس إلى أكثر من 7500 مدرسة ونحو 138 ألف معلم ومعلمة وملايين الطلبة اليوم.
ولم يعد التعليم مجرد نشر المدرسة في المدن والقرى، بل أصبح مشروعاً وطنياً متكاملاً يشمل بناء المدارس الحديثة، وتحديث المناهج، وتطوير التعليم المهني والتقني، وتوسيع رياض الأطفال، وتعزيز التعليم العالي، ودعم الطالب الجامعي.
وتمنح مبادرة بناء المدارس هذه المرحلة عنوانها الأبرز؛ فهي ليست مشروع أبنية فقط، بل مشروع لتحسين جودة التعليم، وتخفيف الاكتظاظ، والتخلص التدريجي من المدارس المستأجرة، وإنهاء نظام الفترتين، وتوسيع رياض الأطفال، وتوفير بيئة مدرسية آمنة وحديثة.
وبين تطوير المناهج، وتدريب المعلمين، وتوسيع التعليم المهني والتقني، وتعزيز التعليم العالي، يواصل الأردن بناء قطاع تعليمي أكثر قدرة على إعداد الإنسان، وأكثر ارتباطاً بسوق العمل، وأكثر حضوراً في مشروع الدولة الحديثة.



