
أردني – لم يكن مجرد فوز عابر على أتلتيكو مدريد، بل رسالة قوية من آرسنال تؤكد عودته إلى قمة أوروبا، بعد أداء جمع بين الصلابة واللمسة الفنية في واحدة من أهم لياليه القارية.
تفوق الفريق اللندني على أتلتيكو مدريد لم يأتِ فقط عبر النتيجة (1-0)، بل من خلال سيطرة واضحة وإيقاع لعب فرض نفسه منذ البداية وحتى صافرة النهاية.
على المستوى البدني، ظهر آرسنال بأفضل حالاته، حيث تفوق في الالتحامات والسرعات والتحولات، ليمنح نفسه أفضلية حاسمة أمام فريق يُعرف بصلابته وقوته الدفاعية.
بهذا الانتصار (2-1) في مجموع المباراتين، يبلغ آرسنال نهائي دوري أبطال أوروبا، منتظرًا الفائز من المواجهة المرتقبة بين باريس سان جيرمان وبايرن ميونخ في صراع جديد على المجد القاري.
رهانات أرتيتا
اختار ميكيل أرتيتا مدرب آرسنال الدخول برهان تكتيكي واضح، بالدفع بمايلز لويس-سكيلي في وسط الملعب إلى جوار ديكلان رايس، وهي الفكرة التي ظهرت ملامح نجاحها في مواجهة فولهام الأخيرة في البريميرليج، ليكررها في اختبار أوروبي أكثر صعوبة.
هذا القرار منح رايس حرية أكبر في التحرك، فظهر بصورة متكاملة دفاعيًا وهجوميًا، حيث جمع بين قطع الكرات وبناء اللعب، مع مجهود بدني هائل، ليصبح أحد أهم مفاتيح التفوق في وسط الملعب، وينال جائزة رجل المباراة عن جدارة واستحقاق.
رهان آخر تمثل في تفضيل لياندرو تروسارد على حساب جابرييل مارتينيلي، في مركز الجناح الأيسر، وهو اختيار أثبت صحته سريعًا بعدما كان الأول عنصرًا حاسمًا في الهدف الوحيد، إلى جانب دوره في فرض الإيقاع الذي أراده المدرب.
تعامل آرسنال بذكاء مع الدقائق الأولى، فامتص حماس أتلتيكو مدريد خلال أول 10 دقائق، قبل أن يبدأ في فرض سيطرته عبر التمريرات القصيرة المتتالية واللعب الهادئ القائم على الصبر والتنظيم.
ومع هدف بوكايو ساكا، تحولت المباراة إلى صراع بدني صريح، وهو السيناريو الذي بدا آرسنال أكثر جاهزية له، ليؤكد أرتيتا أن رهاناته لم تكن مجرد اختيارات، بل مفاتيح حسمت واحدة من أهم مواجهاته ليقود كتيبة الجانرز إلى نهائي دوري الأبطال للمرة الثانية في تاريخ النادي (الأولى كان عام 2006).
تبديلات ناجحة
لم ينتظر ميكيل أرتيتا كثيرًا، فمع اقتراب الدقيقة 60 بدأ في إجراء تغييرات مبكرة نسبيًا، هدفها الحفاظ على نسق اللعب العالي وضمان التفوق في الصراع البدني الذي فرض إيقاعه على المباراة.
دفع المدرب الإسباني ببييرو هينكابي ونوني مادويكي ومارتن أوديجارد، على حساب ريكاردو كالافيوري وبوكايو ساكا وإيبيريتشي إيزي، في خطوة عكست رغبة واضحة في تجديد الطاقة دون الإخلال بالتوازن.
ولم تتوقف التغييرات عند هذا الحد، حيث خرج مايلز لويس-سكيلي ليحل محله مارتن زوبيميندي، ليواصل الفريق الحفاظ على صلابته في وسط الملعب دون تراجع في الجودة.
هذه التبديلات منحت آرسنال الأفضلية الكاملة، حيث بدا الفريق أكثر حضورًا في الالتحامات، وأكثر قدرة على فرض إيقاعه، وهو ما أبقى السيطرة في يد لاعبيه حتى مع تغير الأسماء داخل الملعب.
دفاعيًا، ظهر الفريق اللندني بتنظيم محكم بقيادة الثنائي جابرييل ماجاليس وويليام ساليبا، ليغيب التهديد الحقيقي من جانب أتلتيكو مدريد، الذي لم يشكل خطورة تُذكر سوى في محاولات نادرة على مدار شوطي اللقاء.
كما أن آرسنال على المستوى الهجومي كان حاضرًا في بعض الكرات أيضًا، بفضل الحركة المستمرة لمهاجمه المشاكس فيكتور جيوكيريس الذي لم يهدأ لحظة طوال 90 دقيقة، ورغم أنه أضاع فرصة قريبة للغاية، إلا أن ما يشفع له أن بداية الهدف جاءت من أقدامه.
عودة في توقيت مثالي
جاءت عودة بوكايو ساكا نجم الجانرز من الإصابة في التوقيت المثالي، ليمنح آرسنال دفعة قوية، بعدما سجل هدف اللقاء الوحيد وقدم أداءً مؤثرًا على مدار 60 دقيقة تقريبًا شارك بها.
وشكل ساكا مصدر الخطورة الأبرز من الجبهة اليمنى، بفضل تحركاته المستمرة وقدرته على الاختراق وصناعة الفارق، وهو ما أربك دفاع أتلتيكو مدريد بشكل واضح.
هذه العودة لم تكن مجرد إضافة فنية، بل منحت الفريق دفعة معنوية كبيرة في توقيت حاسم من الموسم، خاصة مع اشتعال المنافسة على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز.
وبخلاف هدف اليوم، حسم ساكا مباراة فولهام الماضية في البريميرليج، رغم أنه لعب 45 دقيقة فقط، وذلك بعدما سجّل هدفًا وصنع آخر، ليساهم في الانتصار (3-0)، ويقرب المدفعجية خطوة أخرى نحو اللقب الغائب منذ عام 2004.
وبهذا الأداء، يعزز آرسنال آماله في تحقيق ثنائية تاريخية بين الدوري الإنجليزي ودوري أبطال أوروبا، مستفيدًا من جاهزية أحد أهم نجومه في المرحلة الأكثر حساسية.
سيميوني يقتل أتلتيكو مدريد
على الجانب الآخر، بدا دييجو سيميوني مدرب أتلتيكو مدريد، عاجزًا عن إيجاد حلول حقيقية لاختراق دفاع آرسنال، حتى بعد التأخر في النتيجة، حيث غابت المحاولات المستمرة والهجوم المكثف الذي كان من المفترض أن يعيد فريقه إلى أجواء اللقاء.
لم يظهر أتلتيكو مدريد بالشراسة المعتادة، واكتفى بمحاولات متباعدة دون بناء ضغط حقيقي، وهو ما سهّل مهمة الفريق اللندني في الحفاظ على تقدمه دون معاناة تُذكر.
وزادت الأمور تعقيدًا مع قرارات سيميوني بالتبديلات، حيث قام بإخراج عناصر الخطورة تباعًا بعد مرور ساعة من اللعب تقريبًا، بدايةً من أديمولا لوكمان وجوليانو سيميوني، ثم جوليان ألفاريز وأنطوان جريزمان.
بهذه التغييرات، فقد الفريق كل الحلول الإبداعية في الثلث الأخير، خاصة وأن البدلاء لم يكونوا على مستوى الأسماء التي غادرت، لتتحول الهجمات إلى محاولات فردية بلا تأثير حقيقي.
المفارقة أن أتلتيكو كان قد بدأ الشوط الثاني بشكل أفضل، ونجح خلال أول ربع ساعة في الاحتفاظ بالكرة ومحاولة فرض إيقاعه، لكن التبديلات جاءت كضربة قاضية أنهت أي أمل، لتبدو وكأنها إعلان استسلام مبكر داخل ملعب الإمارات.



