
شهد قطاع الكهرباء الأردني تحولاً مهماً عام 1999 عندما تم فصل نشاط التوليد عن شركة الكهرباء الوطنية، وريثة سلطة الكهرباء الأردنية، وإنشاء شركة توليد الكهرباء المركزية كشركة مملوكة بالكامل للحكومة. واستمرت الشركة بهذه الصفة حتى نهاية عام 2007، عندما تم بيع 51% من أسهمها لشركة دبي كابيتال، فيما احتفظت الحكومة بنسبة 40%، والمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي بنسبة 9%. وفي عام 2011 انتقلت حصة دبي كابيتال إلى شركة أكوا باور.
في المقابل، بقيت شركة السمرا لتوليد الكهرباء، التي تأسست عام 2004، مملوكة بالكامل للحكومة من خلال شركة الاستثمارات الحكومية. وتبلغ استطاعة محطة السمرا حالياً نحو 1240 ميغاواط بالدورة المركبة، كما استحوذت الشركة في عام 2022 على محطة رحاب باستطاعة 300 ميغاواط بالدورة المركبة، ومحطة الريشة الغازية باستطاعة اسمية تبلغ 60 ميغاواط، إضافة إلى محطة العقبة الحرارية باستطاعة اسمية تبلغ 400 ميغاواط.
وبذلك أصبحت الاستطاعة الإجمالية لمحطات التوليد التقليدية التابعة لشركة السمرا تقارب 2000 ميغاواط، إضافة إلى ما يقارب 250 ميغاواط من مشاريع الطاقة المتجددة التي كلفت الحكومة الشركة بإدارتها وتشغيلها. ويمكن القول إن شركة السمرا تسهم بما يقارب 35% من القدرة اللازمة لمواجهة الطلب على الكهرباء في المملكة.
مشاريع التوليد المستقلة (IPPs)
في إطار تعزيز القدرات التوليدية للمملكة، تم طرح عدد من المشاريع التنافسية وفق نموذج البناء والتملك والتشغيل (BOO)، ومن أبرزها:
مشروع IPP1
طُرح المشروع عام 2004 ودخل الخدمة عام 2007 في منطقة شرق عمان باستطاعة 370 ميغاواط بالدورة المركبة، حيث يتم استغلال الحرارة المهدورة الناتجة عن الوحدات الغازية أو العاملة على الديزل لإنتاج طاقة إضافية من خلال وحدة بخارية، ما يرفع الكفاءة التشغيلية للمحطة بشكل ملحوظ.
مشروع IPP2
طُرح عام 2008 ودخل التشغيل عام 2012 في منطقة القطرانة باستطاعة 370 ميغاواط بالدورة المركبة وبالتقنية ذاتها المستخدمة في مشروع IPP1.
مشروع IPP3
طُرح عام 2009 ودخل التشغيل عام 2014 في منطقة شرق عمان باستطاعة 570 ميغاواط، باستخدام وحدات محركات كبيرة تبلغ استطاعة الوحدة الواحدة منها نحو 16 ميغاواط، وتعمل على ثلاثة أنواع من الوقود هي: الغاز الطبيعي والديزل والوقود الثقيل.
مشروع IPP4
دخل الخدمة عام 2014 كتوسعة لمشروع IPP3 في شرق عمان باستطاعة 240 ميغاواط، وبالتكنولوجيا نفسها القائمة على المحركات ثلاثية الوقود.
مشروع IPP5
دخل الخدمة عام 2018 باستطاعة 485 ميغاواط بالدورة المركبة، وجاء ليحل محل محطة الحسين الحرارية التي خرجت من الخدمة. وقد نُفذ المشروع ضمن إطار إعادة تأهيل الموقع القائم، وبكلفة استطاعة مماثلة تقريباً لكلفة مشروع IPP1، مع الاستفادة من البنية التحتية المتوافرة في المحطة السابقة.
وقد جاءت جميع هذه المشاريع من خلال عطاءات تنافسية شاركت فيها شركات عالمية متخصصة، باستثناء مشروع IPP5 الذي جاء ضمن برنامج إعادة تأهيل محطة الحسين الحرارية.
آلية التعاقد مع شركات التوليد
بموجب نموذج البناء والتملك والتشغيل، تتولى الحكومة من خلال شركة الكهرباء الوطنية توفير الوقود اللازم للتوليد، بينما تتولى شركات التوليد إنشاء المحطات وتشغيلها وصيانتها.
وتدفع شركة الكهرباء الوطنية لشركات التوليد مقابل عنصرين رئيسيين:
أولاً: كلفة الاستطاعة (Capacity Charge)
وتمثل استرداد الكلفة الرأسمالية للمشروع موزعة على عمره التشغيلي الذي يصل إلى نحو 25–26 عاماً، إضافة إلى جزء من كلف التشغيل والصيانة الثابتة وكلف التمويل.
ثانياً: الكلف التشغيلية المتغيرة
وهي الكلف المرتبطة بإنتاج الطاقة الكهربائية فعلياً، وتشمل كلف التشغيل والصيانة المتغيرة.
ووفق النموذج المالي للمشاريع (Financial Model)، يتضمن العرض المقدم من المطور هامش ربح يتناسب مع مستوى المخاطرة والاستثمار، ويتم اختيار العرض الفائز بناءً على التقييمين الفني والمالي وبما يحقق أقل كلفة ممكنة على النظام الكهربائي.
ومن المهم التأكيد أن هذه المدفوعات مرتبطة بدرجة جاهزية المحطات والتزامها بالشروط التعاقدية، كما تفرض غرامات مالية على الشركات في حال عدم تحقيق مستويات التوافرية المطلوبة. لذلك فإن الادعاء بأن شركات التوليد تتقاضى أثمان كهرباء غير منتجة أو غير مستخدمة غير صحيح، ولا يعكس الصورة الكاملة للمنظومة التعاقدية والتنظيمية المعمول بها.
محطة الصخر الزيتي
تختلف محطة الصخر الزيتي عن بقية محطات التوليد من حيث طبيعة التعرفة، إذ تتضمن كلفة الاستطاعة فيها كلفة الوقود المستخدم نفسه، إضافة إلى كلف التشغيل والصيانة ومتطلبات الجاهزية المستمرة على مدار الساعة.
وتعد المحطة حالياً من محطات الحمل الأساسي في المملكة، كما أن خيار التوسع فيها مستقبلاً قد يكون خياراً استراتيجياً مهماً إذا أصبحت كلفة إنتاجها منافسة للتوليد باستخدام الغاز الطبيعي، خصوصاً في ظل توفر احتياطيات مؤكدة من الصخر الزيتي والبنية التحتية اللازمة لتطوير هذا المصدر المحلي للطاقة.
الطاقة المتجددة في الأردن
إلى جانب مشاريع التوليد التقليدية، كان الأردن من أوائل دول المنطقة التي تبنت مشاريع الطاقة المتجددة على نطاق واسع. وتبلغ الاستطاعات المركبة حالياً نحو 992 ميغاواط من الطاقة الشمسية و621 ميغاواط من طاقة الرياح، أي ما مجموعه 1623 ميغاواط.
كما يضاف إلى ذلك ما يزيد على 1400 ميغاواط من أنظمة الطاقة الشمسية المركبة على أسطح المنازل والمنشآت المختلفة.
وبذلك تسهم الطاقة المتجددة بما يقارب 27% من إجمالي استهلاك الكهرباء في المملكة، وهي من أعلى النسب على مستوى المنطقة.
ومع ذلك، لا يمكن الاعتماد على الطاقة المتجددة في مواجهة أحمال الذروة المسائية، نتيجة غياب الإنتاج الشمسي ليلاً وعدم انتظام سرعات الرياح، إضافة إلى أن تقنيات التخزين الكهربائي بالبطاريات لم تصل بعد إلى مستوى اقتصادي قادر على المنافسة على نطاق واسع.
إدارة وتشغيل النظام الكهربائي
يتولى مركز المراقبة والتحكم الوطني التابع لشركة الكهرباء الوطنية إدارة وتشغيل جميع مكونات النظام الكهربائي الأردني، من خلال إعداد منوال تشغيلي يومي يستند إلى توقعات الأحمال الكهربائية وجاهزية وحدات التوليد المختلفة.
ويتم ترتيب تشغيل المحطات وفق اعتبارات فنية واقتصادية، بحيث تعطى الأولوية لمحطة العطارات باعتبارها محطة حمل أساسي، تليها وحدات شركة السمرا لتوليد الكهرباء نظراً لانخفاض كلفة الاستطاعة فيها، ثم الوحدات الأعلى كفاءة والأقل كلفة في إنتاج الطاقة الكهربائية.
ويشترط في جميع الأحوال المحافظة على مستويات الجاهزية التعاقدية المطلوبة، حيث يتم تغريم أي محطة لا تحقق نسب التوافرية المنصوص عليها في اتفاقيات شراء الطاقة.
جاهزية النظام الكهربائي
يبلغ مجموع استطاعات مشاريع التوليد التقليدية في النظام الكهربائي الأردني نحو 4440 ميغاواط. ويمكن الاستفادة من هذه الاستطاعات بالكامل تقريباً خلال فصل الشتاء، بينما تنخفض القدرة المتاحة خلال فصل الصيف بسبب تأثير درجات الحرارة المرتفعة على كفاءة وحدات التوليد، بحيث لا تتجاوز القدرة المتاحة فعلياً نحو 4200 ميغاواط.
وللتغلب على هذا التحدي، تم تنفيذ عدد من التحسينات الفنية، من أبرزها أنظمة التضبيب (Fogging Systems) التي تخفض درجة حرارة الهواء الداخل إلى التوربينات الغازية، وقد تم تطبيقها بالفعل في بعض المحطات. كما يجري العمل على دراسة وتطبيق تقنيات حديثة مثل OpFlex التي تسهم في رفع القدرة الإنتاجية للوحدات التوليدية خلال الظروف الجوية الحارة.
وقد ظهر أثر هذه الإجراءات بوضوح خلال موجة الحر الطويلة التي شهدتها المملكة في صيف العام الماضي، عندما وصل الحمل الأقصى إلى نحو 4800 ميغاواط. وعلى الرغم من وجود عجز يقارب 600 ميغاواط، فقد تمكن النظام الكهربائي من تلبية الطلب دون انقطاعات، بفضل الاستفادة من الربط الكهربائي مع مصر وتوافر إنتاج جيد من محطات الرياح خلال تلك الفترة.
متطلبات صيف 2026 وصيف 2027
في ضوء النمو المستمر في الطلب على الكهرباء، تبرز أهمية الاستعداد المبكر لفصل الصيف الحالي، وكذلك لصيف عام 2027، خاصة قبل دخول مشروع التوليد السابع إلى الخدمة.
ويتطلب ذلك ضمان الجاهزية الفنية الكاملة لجميع وحدات التوليد القائمة، والتأكد من جاهزية خط الربط الكهربائي مع مصر للاستفادة منه عند الحاجة، إضافة إلى دراسة إمكانية الاستفادة من محطات التوليد الخاصة التابعة للشركات الصناعية والتعدينية الكبرى، مثل شركات الفوسفات والبوتاس والأسمدة والإسمنت والمناجم، للمساهمة في مواجهة أحمال الذروة خلال الفترات الحرجة.
كما لا يمكن إغفال أهمية ترشيد استهلاك الكهرباء، خاصة خلال فترات الذروة الصيفية وعند تعرض المملكة لموجات حر شديدة. ومن منطلق المسؤولية الوطنية والمجتمعية، فإن مساهمة المواطنين في تخفيض الأحمال خلال ساعات الذروة المسائية، الممتدة عادة من الساعة السابعة وحتى التاسعة مساءً، تمثل عاملاً مهماً في تعزيز موثوقية النظام الكهربائي.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال الاستخدام الرشيد لأجهزة التكييف، وتأجيل تشغيل الأجهزة الكهربائية ذات الاستهلاك المرتفع إلى خارج فترات الذروة، وتجنب شحن المركبات الكهربائية خلال هذه الساعات، إضافة إلى التقليل من الإنارة غير الضرورية، بما يسهم في تخفيف الضغط على الشبكة الكهربائية وتحسين كفاءة استغلال الموارد المتاحة.
إن المحافظة على موثوقية النظام الكهربائي الأردني تتطلب استمرار الاستثمار في التوليد والربط الكهربائي والتخطيط الاستباقي للأحمال المستقبلية، بما يضمن أمن التزود بالطاقة واستدامة الخدمة الكهربائية للمواطنين والقطاعات الاقتصادية المختلفة.
والله من وراء القصد.



