"\n"
رئيسيمحليات

في عيد الاستقلال الـ 80.. تحديث القطاع العام ركيزة الدولة الأردنية نحو المستقبل

أردني – استطاعت الدولة الأردنية بقيادة هاشمية حكيمة، بناء نموذج مؤسسي متماسك قادر على مواجهة التحديات والتكيف مع المتغيرات التي مرت على الدولة على مدار عقود. فمنذ الاستقلال، كان بناء الإدارة العامة الأردنية جزءا أساسيا من مشروع الدولة، انطلاقا من الإيمان بأن قوة المؤسسات هي الضامن الحقيقي لاستدامة التنمية وتعزيز ثقة المواطن بالدولة.

وفي هذا السياق، قالت وزيرة دولة لتطوير القطاع العام المهندسة بدرية البلبيسي، لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن التوجيهات الملكية السامية جاءت لترسخ رؤية واضحة بأن تحديث القطاع العام ليس مجرد تطوير إداري تقليدي، بل تحول في طريقة عمل الحكومة وأدائها، من حكومة تركز على الإجراءات إلى حكومة تركز على النتائج والأثر الذي يلمسه المواطن، ومن مؤسسات تعمل بشكل منفصل إلى حكومة أكثر تكاملا ومرونة واستجابة للمستجدات والتحولات المتسارعة.

وأشارت إلى أن التوجيهات الملكية أكدت أن نجاح التحديث يُقاس بمدى انعكاسه على جودة الخدمات وكفاءة الأداء الحكومي وتعزيز رضا المواطن وثقته، لافتة في هذا الإطار، إلى أن البرنامج التنفيذي الثاني لخارطة تحديث القطاع العام للأعوام 2026–2029 جاء لينقل مسار التحديث من مرحلة التأسيس وبناء الأطر إلى مرحلة التنفيذ وتحقيق الأثر الملموس على حياة المواطنين، ضمن رؤية تستهدف بناء حكومة مرنة، متكاملة، ذكية، ومحورها المواطن.

وأوضحت البلبيسي أن الحكومة تركز حاليا على أولويات تشكل جوهر المرحلة الثانية من التحديث، أبرزها تحسين الخدمات الحكومية، وتبسيط الإجراءات، وتسريع التحول الرقمي، واستخدام البيانات والتقنيات الناشئة، وتطوير الموارد البشرية، وتعزيز الحوكمة والشفافية، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي.

وبينت أنه يجري العمل على إعادة تصميم العلاقة بين المواطن والمؤسسات الحكومية بحيث تصبح أكثر سهولة ووضوحا وكفاءة، بما يؤكد أن التحديث أصبح مشروعا متكاملا يعيد تشكيل الإدارة العامة بشمولية.

ولفتت إلى أن الحكومة تعمل وفق منظومة مؤشرات أداء ترتبط بالنتائج الفعلية والأثر المتحقق، مثل: مستوى رضا المواطنين عن الخدمات، وتقليص مدة إنجاز المعاملات، ونسب التحول الرقمي، وكفاءة الإنفاق، ومستويات الإنتاجية المؤسسية.

وأشارت إلى أنه يجري تطوير مؤشر وطني لتحديث القطاع العام ليكون المرجعية الرسمية لتقييم نضج الأداء الحكومي وقياس أثر المبادرات والبرامج، إلى جانب توجيه قرارات التحسين والتصحيح، فيما يستهدف البرنامج تحقيق تقدم ملموس في 13 مؤشرا دوليا في تحديث القطاع العام، مؤكدة أن إدارة مشروع تحديث القطاع العام في رئاسة الوزراء، تتولى متابعة التنفيذ وقياس الأثر ضمن أطر زمنية وآليات تقييم دورية.

وعن مسيرة التطوير الإداري منذ الاستقلال، قالت البلبيسي إن “الأردن نجح في بناء مؤسسات دولة مستقرة ومتماسكة رغم محدودية الموارد والتحديات الإقليمية، حيث ركزت العقود الأولى على تأسيس الإدارة العامة وبناء الهياكل الحكومية، ثم انتقل لاحقا إلى تطوير التشريعات وتعزيز الخدمة المدنية، وصولا اليوم إلى مرحلة “الحكومة الذكية والمرنة”.

وأضافت أن السنوات الأخيرة شهدت تطورا ملحوظا في رقمنة الخدمات الحكومية، وإعادة هندسة الإجراءات، وتوسيع استخدام المنصات الرقمية، وتطوير مراكز الخدمات الحكومية الشاملة، ما ساهم في اختصار الوقت والجهد وتقليل التداخلات الإدارية والحد من البيروقراطية التقليدية.

كما جرى تحديث منظومة إدارة وتنمية الموارد البشرية للانتقال إلى منظومة تقوم على الكفايات، بما يسهم في رفع قدرات الموارد والقيادات الحكومية، إلى جانب التوجه نحو توحيد قواعد البيانات الحكومية وتعزيز التكامل بين المؤسسات لتخفيف العبء عن المواطن وتقليل الحاجة إلى تكرار الوثائق والإجراءات.

وأكدت البلبيسي أن التحول نحو الحكومة الرقمية والذكية يعيد تصميم الإجراءات الحكومية لتصبح أبسط وأسرع وأكثر ترابطا، من خلال أتمتة الإجراءات وتبادل البيانات إلكترونيا وتقليل التدخل اليدوي، بما يرفع الكفاءة ويحد من التعقيد الإداري، مشيرة إلى أن التحول الحقيقي لا يتعلق فقط برقمنة الخدمة، بل بإعادة التفكير بطريقة تقديمها لتصبح أكثر استباقية ومحورها المواطن.

وحول المشاريع التي تعول عليها الحكومة في المرحلة المقبلة، أوضحت البلبيسي أن البرنامج التنفيذي الثاني لتحديث القطاع العام (2026-2029) يتضمن 111 مشروعاً، من أبرزها: المنظومة المتكاملة لسماع صوت المواطن، ومنظومة الخدمات المتكاملة والاستباقية، ومنظومة إدارة البيانات الحكومية والتحليل، ومنظومة ذكية لإدارة سير الإجراءات الحكومية، ومنظومة رقمية لإدارة التشريعات والامتثال، إضافة إلى تطوير وكلاء الذكاء الاصطناعي لدعم العمليات الحكومية ورفع كفاءة الخدمات والاستجابة.

وفيما يتعلق بتطوير الموارد البشرية، قالت البلبيسي إن البرنامج التنفيذي الثاني يتضمن مشاريع خاصة بتطوير منظومة تقييم الكفايات الذكي، وإنشاء الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية، ومشاريع الثقافة المؤسسية وبناء القيادات الحكومية.

وعن تطوير أداء الموظف الحكومي، أكدت البلبيسي أن الحكومة تعمل على الانتقال إلى نموذج حديث لإدارة الموارد البشرية قائم على الكفايات والإنتاجية والنتائج، يشمل تحديث منظومة التوظيف والتقييم والترقيات والمسار المهني.

وأشارت إلى أنه تم الانتقال تدريجيا إلى التنافس المفتوح والاختيار على أساس الكفايات والجدارة، مع تطوير أدوات تقييم حديثة لقياس المهارات الفنية والسلوكية بدقة وشفافية.

كما تعمل الحكومة على تعزيز ثقافة الأداء القائم على النتائج وربط التقييم بالإنتاجية وجودة الإنجاز، وتطوير مؤشرات أداء واضحة للوظائف المختلفة وربطها بالتحفيز والتطوير المهني، إلى جانب تعزيز مبدأ الترقية المبنية على الجدارة والكفاءة والتنافس، خاصة للوظائف القيادية والمهنية.

وأكدت البلبيسي أن البرنامج يركز أيضا على الاستثمار في بناء قدرات الكوادر الحكومية، عبر تطوير منظومة تعلم حكومية حديثة، وإنشاء الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية كمنصة وطنية لتطوير المهارات القيادية والإدارية والرقمية، وتعزيز جاهزية الكوادر الحكومية لمواكبة المتغيرات.

كما أشارت إلى وجود اهتمام متزايد ببناء ثقافة مؤسسية تقوم على المبادرة والعمل الجماعي والابتكار وتحمل المسؤولية، من خلال مبادرات مثل “سفراء التغيير” لتعزيز قيم الثقافة المؤسسية داخل المؤسسات الحكومية.

وحول استقطاب الكفاءات الشابة، أوضحت البلبيسي أن الحفاظ عليها يتطلب بناء بيئة عمل حكومية حديثة تشجع على الإنجاز والابتكار وتوفر مسارات مهنية واضحة وعادلة، مؤكدة أن الحكومة تعمل على تعزيز المرونة، وتبني أدوات العمل الحديثة، وربط الترقيات والتقييم بالكفاءة، وتوفير فرص التدريب والتطوير، وتمكين الشباب من المشاركة في صنع القرار وقيادة المبادرات.

وأضافت أن التحول الرقمي يشكل عاملا مهما في جذب الكفاءات الجديدة، لأن الأجيال الشابة أكثر ارتباطا بالتكنولوجيا والعمل المرن والبيئات التفاعلية، مؤكدة أن التحدي لا يقتصر على الاستقطاب بل يمتد إلى بناء ثقافة مؤسسية قادرة على الاحتفاظ بالكفاءات وتحفيزها.

وأكدت البلبيسي في ختام حديثها، أن تحديث القطاع العام مشروع وطني طويل المدى هدفه تحسين الحياة اليومية للمواطن وتعزيز جودة الخدمات، مشددة على أن بناء الثقة يتحقق بالإنجاز الملموس الذي يلمسه المواطن من خلال خدمات أسرع، وإجراءات أوضح، واستجابة أفضل، ومعاملة أكثر احتراما واحترافية.

وأضافت أن الثقة تبنى عندما يشعر المواطن بأن المؤسسة الحكومية تستمع له وتتعامل معه كشريك في عملية التطوير، مؤكدة أن التحديث الإداري في جوهره هو تحديث للعلاقة بين الدولة والمواطن بما يعزز الثقة ويكرس مفهوم الإدارة العامة الحديثة التي تعمل لخدمة الإنسان وتحقيق التنمية.

بترا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى