
لكن للقوة العسكرية حدوداً. ففي فيتنام كسبت الولايات المتحدة معظم المعارك تكتيكيا ولم تكسب الحرب على المستوى الاستراتيجي، وفي أفغانستان خرج السوفييت دون اية مكاسب ثم الأميركيون لتعود طالبان خلال أيام. فالسيطرة على الأرض لا تعني امتلاكها. من هنا اتسع مفهوم القوة ليشمل الاقتصاد. فالدولة تستطيع أن تُخضع خصمها دون رصاصة، بالعقوبات والحصار والحرمان من الأسواق والنظام المالي والتكنولوجيا. هكذا أُنهك العراق في التسعينيات، وأُخرجت مصارف روسية من نظام “سويفت” عام 2022، وعانت الصين بسبب تقييد الوصول إلى الرقائق المتقدمة.
ثم جاء المفهوم الأعمق: القوة الناعمة، كما صاغها جوزيف ناي عام 1990، أنها قدرة الدولة على أن تجعل الآخرين يريدون ما تريده بالجاذبية لا بالإكراه. والإعلام في قلبها؛ فقد نقلت هوليوود صورة أميركا إلى كل بيت، وغيّرت المحطات الفضائية ومواقع التواصل موازين الإعلام العربي، وصارت الحروب اليوم تُخاض على الشاشات ووسائل التواصل بقدر ما تُخاض في الميدان. ويمتد الأثر إلى الأدب والثقافة: فتحت جائزة نوبل للأديب نجيب محفوظ نافذة على المجتمع العربي لم تفتح بوسائل سياسية، وحوّلت الموجة الكورية كوريا الجنوبية إلى مقصد للعالم. والدولة الجاذبة تكسب الحلفاء دون أن تشتريهم.
غير أن القوة الصلبة عادت بشكل جديد: مسيّرات تضرب بجزء من كلفة المقاتلة، وصواريخ فرط صوتية تختصر زمن الإنذار إلى دقائق، وهجمات إلكترونية تشلّ الكهرباء والمصارف دون رصاصة. في أوكرانيا اصطادت المسيّرات الرخيصة الدبابات وأغرقت سفناً دون أسطول، وفي غزة لم يترجَم التفوق الجوي الساحق بسهولة إلى سيطرة مستقرة، ودارت المواجهة الإيرانية الأميركية الإسرائيلية بالصواريخ والمسيّرات دون أن يعبر جندي واحد الحدود. فالإيلام عن بعد صار أسهل وأرخص، والحسم بالاحتلال صار أصعب وأغلى.
والأخطر أن هذه الأسلحة صارت في متناول دول غير مستقرة وقوات شبه عسكرية، وقد تصل يوماً إلى منظمات إرهابية لتشكل تهديدا اكبر . لذلك لا تسعى الدول التي تستشرف المستقبل إلى تغيير أسلحتها بقدر ما تسعى إلى تغيير عقائدها، وبناء ما يسميه ناي “القوة الذكية”: أن تعرف متى تُكرِه ومتى تُغري ومتى تجمع بينهما. ويبقى الجيش التقليدي قوة ردع لا غنى عنها، فالتلويح بالقوة كثيراً ما يغني عن استخدامها. لكن القوة الصلبة بلا جاذبية تصنع أعداء، والجاذبية بلا قوة تحميها تبقى مكشوفة.
لقد انتقلت القوة من المدفع إلى المصرف، ومن المصرف إلى الشاشة والكتاب، ثم عادت إلى السلاح في صورة مسيّرة وشيفرة. والدولة القوية اليوم ليست من تملك أداة واحدة، بل من تملك القوة الذكية التي تجمع الأدوات كلها، وتواكب هذه التحولات أو تسبقها لا أن تلحق بها. فمن ينتظر الأزمة ليتعلم دروسها يدفع ثمنها كاملاً.
الرأي



