"\n"
مقالات

الوهم الاجتماعي

الصحفية رلى السماعين

في زمنٍ لم يعد فيه العالم الرقمي مجرّد مساحة موازية، بل واقعًا يتفوق على حياتنا اليومية ويشدّنا إليه باستمرار، يبرز بوضوح أثر هذا الفضاء في إعادة تشكيل إدراكنا لذواتنا وللآخرين. ومن خلال ملاحظات متكررة، بات من اللافت أن بعض الأفراد يقدّمون أنفسهم بوصفهم “مؤثرين”، مستندين إلى ثقة تتجاوز حدودها الواقعية، وهي ظاهرة تندرج ضمن ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ”الوهم الاجتماعي” الذي باختصار علمي هو إدراكٌ مشوَّه للواقع يتشكّل تحت تأثير التوقعات والضغوط الاجتماعية الرقمية، ويمنح الأفراد صورة مبالغًا فيها عن ذواتهم أو مكانتهم.

الوهم الاجتماعي ليش مجرد انحراف بسيط في الإدراك، بل تحوّل في العصر الرقمي إلى بنية كاملة تُعيد تشكيل الواقع كما نراه ونفهمه. المخيف اليوم بأن الأفراد لا يتعاملون مع الحقيقة الا من خلال صور مُنتقاة وخوارزميات مصمّمة لتعظيم التفاعل لا الدقة، مما يخلق فجوة متسعة بين ما الحقيقة فعلًا، وبين ما يُعتقد أنها الحقيقة.

كانت وسائل التواصل الاجتماعي ينظر إليها على أنها منصات للتعبير، الان أصبحت مصانع لإنتاج “الواقع البديل”، حيث يُقاس الاهمية بعدد المتابعين الذي يمنح النفوذ بناءً على نسب المشاهدة، لا على عمق المعرفة أو صدقية التجربة. وهنا تحديدًا، يتبلور أحد أخطر أشكال الوهم الاجتماعي المعاصر وهو الخلط بين الشعبية الرقمية والسلطة المعرفية.

هذا الخلط ليس افتراضيًا أو نظريًا، بل واقع نعيشه. ففي المجال السياسي، على سبيل المثال، شهدت العديد من الدول صعود شخصيات بنت حضورها العام عبر المنصات الرقمية، بدأت بخطاب يستند إلى أفكار واقعية ووقائع ملموسة كسبت ثقة المتابعين، لتنتقل تدريجيًا إلى توسيع نفوذها وتُستخدم لاحقًا هذا التأثير على التوجهات العامة، بل وحتى في محاولة إعادة تشكيل السياسات والذهنيات. ومع هذا التحول، برزت هذه الشخصيات في الفضاء العام بوصفها “أصواتًا مؤثرة” رغم محدودية خبرتها السياسية أو افتقارها في كثير من الأحيان إلى رؤية متماسكة؛ بل إن اللافت أن بعض هذه النماذج، رغم معرفة المتلقّي بخلفياتها المحدودة وضعف تأهيلها المعرفي أو الأكاديمي، باتت قادرة على تشكيل الرأي العام والتأثير في اتجاهاته.

ونشهد أيضاَ حملات رقمية محدودة صُورت على أنها “الرأي العام”، فقط لأن خوارزميات المنصات ضاعفت انتشارها، فبدت وكأنها تمثّل الأغلبية، بينما هي في الحقيقة تعبير عن دوائر مغلقة من الآراء المتشابهة.

أما على المستوى الفردي، فتتكرر الظاهرة بشكل أكثر في حياتنا اليومية. فكم من شخص، بغض النظر عن العمر أو الخلفية لان الجميع يتأثر من تكرار هذه الحالة النمطية، يتابع حسابات “مؤثر” تُسوّق لحياة مثالية من نجاح مهني سريع واستقرار عاطفي وسفر دائم، فيتشكل لديه انطباع بأن هذا النمط هو القاعدة، لا الاستثناء. ومع الوقت، لا يصبح الوهم مجرد صورة خارجية، بل معيارًا داخليًا يُقاس عليه الشعور بالنجاح أو الفشل.

لكن المثال الأكثر وضوحًا وربما إثارة للقلق في ظاهرة “المؤثرين”، اللذين يتقمصون دور المرشدين في قضايا نفسية واجتماعية معقّدة، مستندين إلى أرقام المتابعين بوصفها شهادة كفاءة.، فيُقدَّم الخطاب في قالب من “الطاقة الإيجابية” والنصائح السريعة، التي تبدو جذابة وبسيطة، لكنها في كثير من الأحيان تفتقر إلى أي أساس علمي أو خبرة حقيقية. وفي مفارقة لافتة، قد يخفي هذا “المؤثر” واقعًا شخصيًا مضطربًا أو غير مستقر، لا ينعكس على الصورة المعروضة.

هنا يتشكل الوهم على مستويين متوازيين: الأول لدى “المؤثر” نفسه، حين يخلط بين الانتشار الرقمي والقدرة على التحليل، فيمنح ذاته سلطة لم تُبْنَ على معرفة؛ والثاني لدى المتلقي، الذي يفترض أن الكثرة تعني المصداقية، وأن التفاعل دليل على القيمة. وبهذا، تتكوّن “سلطة رمزية وهمية” تُعيد ترتيب معايير التأثير في المجتمع، بعيدًا عن أي ضوابط موضوعية.

ولا يتوقف الأمر عند الأفراد، بل يمتد إلى بنية النقاش العام. ففي ما يُعرف ب “دوائر الصدى الرقمي”، ينخرط المستخدمون في بيئات مغلقة تعيد إنتاج القناعات نفسها، دون احتكاك حقيقي بآراء مختلفة. ومع الوقت، يتعزز الاعتقاد بأن هذا الرأي هو السائد، في حين أنه لا يتجاوز حدود المجموعة نفسها. وهكذا، لا يُقصى الاختلاف فحسب، بل يُمحى إدراك وجوده أصلًا.

على مدى عقود، أشار علم النفس إلى أن الصحة النفسية تقوم على قدرة الفرد على إدراك الواقع بموضوعية، وقبوله، والتعامل معه بمرونة. غير أن الإشكالية في الوهم الاجتماعي تبدأ حين يفقد الفرد هذه القدرة على التكيّف مع الضغوط والتحديات الخاصة، فيلجأ إلى بناء واقع بديل داخل فضاء رقمي مدعوم بأرقام المتابعين، التي تمنحه شعورًا زائفًا بالثقة والتأثير. ومع مرور الوقت، لا يبقى هذا الوهم محصورًا في نطاقه الفردي، بل يمتد تأثيره إلى المتلقين أنفسهم، ليتحوّل تدريجيًا إلى بنية جمعية تُعيد تشكيل الوعي العام، وتؤثر في صناعة القرار، بل وتمتد آثارها إلى توجيه السياسات.

قضية “الوهم الاجتماعي” ليست عابرة ولا قابلة للحل السريع، إذ إن جيل “Z” — جيل الرقمنة — قد نشأ وترسّخ وعيه في فضاء يتغذّى على المحتوى الرقمي. لم تعد الحقيقة تُبنى على المعرفة المتراكمة أو التجربة المباشرة أو الأدلة الملموسة، بل على ما يُصاغ ويُعاد إنتاجه داخل هذا العالم الافتراضي. والأكثر إثارة للقلق أن تأثير هذا الواقع لم يعد محصورًا بفئة بعينها، بل امتد ليطال حتى أكثر العقول وعيًا ونقدًا. وعليه، لم يعد السؤال الجوهري: ماذا نرى؟ بل: من يصوغ ما نراه، ولماذا؟

*كاتبة مختصة في شؤون الحوارات والسلم المجتمعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى