"\n"
مقالات

التعداد السكاني… حين تصبح المعلومة استثماراً

د. يوسف منصور

بدأ الأردن عملية التعداد العام للسكان والمساكن لعام 2026، وهي واحدة من أكبر العمليات الإحصائية التي تنفذها الدولة. وقد تبدو للوهلة الأولى عملية هدفها معرفة عدد السكان: كم أصبح عددنا؟ وأين نعيش؟ لكن القيمة الحقيقية للتعداد أكبر بكثير من مجرد الوصول إلى رقم جديد للسكان. فالتعداد، من منظور اقتصادي، هو استثمار في المعلومة التي ستُبنى عليها قرارات بمليارات الدنانير خلال السنوات المقبلة.

الفكرة ليست جديدة. فقد أدركت الدول والحضارات منذ آلاف السنين أن إدارة الاقتصاد تبدأ بمعرفة الناس والموارد. وتشير السجلات التاريخية إلى أن البابليين عرفوا شكلاً مبكراً من التعداد قبل 3800 قبل الميلاد حسب التقديرات. وتشير السجلات كذلك إلى تطور نظام أكثر انتظاماً لحصر الثروة في بلاد ما بين النهرين خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد. ومن بابل انتقلت الفكرة بأشكال مختلفة إلى حضارات أخرى. حيث استخدمت مصر القديمة عمليات الحصر لمعرفة السكان والقوى العاملة والموارد، وطورت روما نظاماً أكثر انتظاماً مع التركيز على حقوق المواطنين. كما أتت كلمةcensus من الكلمة اللاتينية censere، أي التقدير أو التقييم، المستخدمة اليوم.

بدأ الأردن عملية التعداد العام للسكان والمساكن لعام 2026، وهي واحدة من أكبر العمليات الإحصائية التي تنفذها الدولة. وقد تبدو للوهلة الأولى عملية هدفها معرفة عدد السكان: كم أصبح عددنا؟ وأين نعيش؟ لكن القيمة الحقيقية للتعداد أكبر بكثير من مجرد الوصول إلى رقم جديد للسكان. فالتعداد، من منظور اقتصادي، هو استثمار في المعلومة التي ستُبنى عليها قرارات بمليارات الدنانير خلال السنوات المقبلة.

الفكرة ليست جديدة. فقد أدركت الدول والحضارات منذ آلاف السنين أن إدارة الاقتصاد تبدأ بمعرفة الناس والموارد. وتشير السجلات التاريخية إلى أن البابليين عرفوا شكلاً مبكراً من التعداد قبل 3800 قبل الميلاد حسب التقديرات. وتشير السجلات كذلك إلى تطور نظام أكثر انتظاماً لحصر الثروة في بلاد ما بين النهرين خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد. ومن بابل انتقلت الفكرة بأشكال مختلفة إلى حضارات أخرى. حيث استخدمت مصر القديمة عمليات الحصر لمعرفة السكان والقوى العاملة والموارد، وطورت روما نظاماً أكثر انتظاماً مع التركيز على حقوق المواطنين. كما أتت كلمةcensus من الكلمة اللاتينية censere، أي التقدير أو التقييم، المستخدمة اليوم.

أما في الأردن، فتعود البداية إلى عام 1952، عندما نُفذت أول عملية لحصر المباني والمساكن والسكان، وبلغ عدد السكان آنذاك نحو 586 ألف نسمة. وفي عام 1961 أُجري أول تعداد شامل للسكان والمساكن باستخدام منهجيات علمية متوافقة مع توصيات الأمم المتحدة، وجُمعت فيه معلومات ديموغرافية واجتماعية واقتصادية أكثر تفصيلاً. وتوالت بعد ذلك التعدادات في 1979 و1994 و2004 و2015. وقد شكلت نتائج هذه التعدادات الأساس الذي بنيت عليه تقديرات السكان والكثير من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية بين تعداد وآخر.

يدخل الأردن اليوم مرحلة جديدة مع تعداد 2026. فالتعداد يشمل نحو 2.5 مليون أسرة، وحوالي مليون مبنى، موزعة على نحو 24 ألف بلوك إحصائي. ويشارك في العملية الميدانية قرابة 12 ألف باحث وباحثة، بينهم نحو 10 آلاف معلم ومعلمة. كما تدخل التكنولوجيا بصورة أكبر من السابق، من خلال الأجهزة اللوحية والاستمارات الإلكترونية والخرائط الرقمية والربط مع السجلات الحكومية، إضافة إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التدقيق والمتابعة.

تبلغ الكلفة المقدرة للتعداد نحو 24 مليون دينار، وهي كلفة قليلة جدا بالمقارنة مع ما يمكن أن نخسره إذا اتخذنا قرارات استثمارية بمليارات الدنانير اعتماداً على معلومات سكانية قديمة أو غير دقيقة. فالدولة ستبني خلال السنوات المقبلة مدارس ومستشفيات وطرقاً وشبكات مياه وصرف صحي ونقلاً عاماً ومشاريع إسكان وبنية تحتية. وستقرر أين توسع الجامعات والمدارس، وأين تحتاج إلى مراكز صحية جديدة، وأين تتزايد الحاجة إلى المياه والطاقة، وأين يجب أن توجه برامج التدريب والتشغيل. وكل قرار من هذه القرارات له كلفة، وبعضها يمتد أثره لعقود.

فإذا بُنيت مدرسة في منطقة يتراجع فيها عدد الأطفال، بينما تعاني منطقة أخرى من اكتظاظ متزايد، سيكون هناك كلفة اقتصادية وهدر لموارد شحيحة. وإذا أُنشئت بنية تحتية في مكان لا يمثل الأولوية السكانية الحقيقية، فهناك كلفة فرصة بديلة. وإذا لم تعرف الدولة أين سينضم عشرات الآلاف من الشباب إلى سوق العمل خلال السنوات المقبلة، تصبح سياسات التشغيل والتدريب أقل كفاءة. من هنا تصبح بيانات السكان نوعاً من البنية التحتية الاقتصادية، تماماً كما تحتاج الدولة إلى الطرق والكهرباء والاتصالات.

لا تقتصر المنفعة على الحكومة. المستثمر الذي يريد إنشاء مصنع يريد أن يعرف أين توجد العمالة. وشركة التجزئة تريد أن تعرف أين ينمو السكان والدخل والطلب. والمطور العقاري يحتاج إلى معرفة حجم الأسر وتركيبتها واتجاهات التوسع العمراني. والمستثمر في التعليم أو الصحة يحتاج إلى معرفة التركيب العمري للسكان وتوزيعهم الجغرافي. لذلك فإن قاعدة البيانات التي ينتجها التعداد هي أصل اقتصادي يستخدمه القطاع العام والقطاع الخاص والباحثون معاً.

كما أن للتعداد وظيفة اقتصادية أخرى، فهو يوفر الأساس الذي نحسب عليه كثيراً من المؤشرات التي نستخدمها للحكم على أداء الاقتصاد. فنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي يحتاج إلى تقدير دقيق لعدد السكان. وكذلك عدد الأطباء بالنسبة للسكان، وأعداد الطلبة، ومعدلات المشاركة في سوق العمل، ومؤشرات الفقر والخدمات والإسكان وغيرها. وإذا كان المقام الذي نبني عليه الحساب غير دقيق، فإن المؤشر نفسه قد يعطي صورة غير دقيقة.

وهنا تظهر أهمية إجراء التعداد بصورة دورية. فالأردن الذي كان عدد سكانه نحو 586 ألف نسمة عام 1952 تجاوز اليوم 12 مليون نسمة. ولم يتغير العدد فقط؛ تغير أيضاً توزيع السكان، والتركيب العمري، وحجم المدن، وأنماط السكن، والهجرة، والطلب على الخدمات. ولذلك لا تستطيع دولة تتغير بهذه السرعة أن تخطط للمستقبل بخريطة سكانية تعود إلى أكثر من عقد مضى. والمنطق الاقتصادي واضح: المعلومة الأفضل تقلل احتمال القرار الخاطئ، والقرار الخاطئ في مشروع بمئات الملايين قد تكون كلفته أكبر بكثير من كلفة جمع المعلومات التي كان يمكن أن تمنعه. وفي دولة ستتخذ خلال العقد المقبل قرارات استثمارية بمليارات الدنانير، قد تكون المعلومة الدقيقة واحدة من أكثر الاستثمارات عائداً وأقلها كلفة.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى