"\n"
مقالات

الاستقلال الأردني: حكاية وطن وإرادة شعب

م. عبدالفتاح الدرادكة

حين نتحدث عن الاستقلال، فإننا لا نتحدث فقط عن تاريخٍ أو مناسبة وطنية يُحتفى بها في يوم محدد من كل عام، بل نتحدث عن معنى عميق يجسّد الكرامة والسيادة والإرادة الحرة، والعمل الدؤوب من أجل بناء الوطن وصناعة مستقبله. والاستقلال في الأردن ليس مجرد محطة تاريخية أُعلن فيها انتهاء الانتداب البريطاني عام 1946، بل هو قصة وطن كُتب له أن يولد في ظروف صعبة، وأن ينمو ويترسخ رغم التحديات، حتى أصبح اليوم نموذجاً في الاستقرار والاعتدال والإنجاز.

لقد نشأت المملكة الأردنية الهاشمية في ظروف استثنائية؛ دولة وُلدت في منطقة مضطربة، وسط واقع سياسي فرضته نتائج الحرب العالمية الأولى، وتفاهمات سايكس–بيكو التي مزّقت الجغرافيا العربية وبدّدت حلم الدولة العربية الكبرى التي كان العرب يطمحون إليها. ومع ذلك، لم يكن الأردنيون أسرى هذا الواقع، بل قرروا أن يصنعوا من التحديات فرصاً، وأن يبنوا وطنهم بإرادتهم وعزيمتهم.

بدأت رحلة البناء من لا شيء تقريباً؛ موارد محدودة، وإمكانات متواضعة، وظروف إقليمية معقدة. لكن ما امتلكه الأردن منذ البداية كان أثمن من كل الموارد، وهو الإنسان الأردني؛ الإنسان الذي آمن بوطنه، وعمل بإخلاص، وبذل جهده وعرقه ليضع لبنة فوق لبنة في مشروع الدولة الحديثة. وهكذا أصبح الأردن بالفعل “حكاية نجاح” تستحق أن تُروى.

لقد كان الاستقرار أحد أهم عناصر النجاح الأردني. ففي منطقة عانت من الحروب والصراعات والانقسامات، حافظ الأردن على أمنه واستقراره، مما جعله بيئة مناسبة للبناء والتنمية. وهذا الاستقرار لم يكن مجرد حالة سياسية، بل كان محركاً لكل الأردنيين للعمل والإنتاج والابتكار.

في القطاع الزراعي، استطاع الأردن، رغم محدودية المياه والأراضي الزراعية، أن يحقق إنجازات مهمة. فأصبح غور الأردن سلة غذاء حقيقية، تُنتج الخضار والفواكه التي تصل إلى الأسواق العربية والعالمية، كما أصبحت منتجات مثل الخضراوات والفواكه، وحتى التمر الذي لم يكن يوماً من أولويات الاهتمام الزراعي الأردني، علامةً فارقة، إذ أصبح تمر “المجهول” رمزاً للجودة والتميز، الأمر الذي يبعث الفخر في نفوس الأردنيين.

وفي قطاع الطاقة، برز الأردن كنموذج في حسن الإدارة والتخطيط. فعلى الرغم من غياب الموارد الطبيعية التقليدية، كالنفط والغاز، نجح في بناء نظام كهربائي متطور ومستقر يُعد من الأفضل في المنطقة، كما استثمر في الطاقة المتجددة من الشمس والرياح، حتى أصبح مثالاً يُحتذى به في كيفية تحويل التحديات إلى فرص.

أما في القطاع الصحي، فقد استطاع الأردن أن يرسّخ مكانته مركزاً طبياً وعلاجياً مهماً في المنطقة. فالقطاع الصحي الأردني، بكفاءاته البشرية ومراكزه المتقدمة، أصبح مقصداً للمرضى من مختلف الدول العربية والعالم، إضافة إلى تميز المملكة في مجال السياحة العلاجية، خاصة بما تمتلكه من مواقع علاجية طبيعية، مثل البحر الميت.

وفي التعليم، كان للأردن دور ريادي لا يمكن إنكاره. فقد ساهم الأردنيون في بناء المنظومات التعليمية في العديد من الدول العربية، ولا تزال الكفاءات الأردنية في مجالات التعليم والطب والهندسة والإدارة حاضرة في مختلف أنحاء العالم، حاملةً معها سمعة الوطن الطيبة وكفاءته العالية.

ولا ننسى الصناعات الأردنية الخفيفة والمتوسطة، كالمنظفات، والحلويات، والمكسرات، والأدوية، والصناعات النسيجية، والقهوة، على الرغم من أن الأردن ليس بلداً منتجاً للعديد من موادها الخام، إلى جانب الصناعات التعدينية التي تسوّق منتجاتها إلى مختلف دول العالم، بما يعكس قدرة الأردن على التصنيع والإبداع وتحقيق القيمة المضافة.

أما على الصعيد السياسي، فقد ظل الأردن صوتاً للعقل والاعتدال والحكمة. واتسمت سياسته الخارجية دائماً بالاتزان والوضوح، خاصة في الدفاع عن القضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. وكان الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حاضراً بقوة في المحافل الدولية، ناقلاً رسالة العرب، ومدافعاً عن العدالة والسلام، ومؤكداً على الثوابت الوطنية والقومية.

إن الاستقلال الحقيقي لا يعني فقط التحرر من الاستعمار، بل يعني استمرار البناء، وتعزيز الاعتماد على الذات، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء. والاستقلال يعني أن يشعر كل مواطن بأن له دوراً ومسؤولية في نهضة بلده، وأن الوطن أمانة في أعناق أبنائه.

الأردن اليوم ليس مجرد دولة على خارطة العالم، بل قصة نجاح، وحكاية صبر وكفاح، ونموذج في الصمود والتميز. هو وطن استطاع أن يثبت أن قوة الأمم لا تُقاس فقط بما تملك من موارد، بل بما تمتلكه من إرادة وعزيمة، وإنسان مؤمن بوطنه.

نسأل الله أن يحفظ الأردن، قيادةً وشعباً، وأن يديم عليه نعمة الأمن والاستقرار، وأن يبقى دائماً وطناً للعزة والكرامة والإنجاز.
كل عام والأردن بألف خير، وكل عام واستقلاله عنوان فخر لكل الأردنيين.

والله من وراء القصد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى